لطباعة هذه الصفحة حمل هذا الملف

وملف الطباعة لا يضمّ موضوع
 الكولسترول والطبّ الكلّي

والملف الصوتي للعثيمين
ولا التنبيه في
الأخير

وللمزيد انظر

(النظام الشامل لصحّةٍ تامّة) في كتاب (الفوائد الجامعة)
و(رقية وعلاجات) في كتاب (المزيد من الفوائد الجامعة)

------------------------------------

بسم الله وبحمده

انظر موضوع (الطعام الخطير) في كتاب (الفوائد الجامعة) وكتاب (طريق العافية) للتعرّف على أضرار الطعام المنقّى والذي يشمل الأرز الأبيض والطحين الأبيض وما يُصنع منه والسكر المصنّع بأنواعه وكلّ ما يُحلّى به والنشا وكلّ الحبوب المكرّرة مزالة القشر والجنين... فهي السبب الرئيس لكلّ الأمراض الانحلالية كالسرطان والسكري والفشل الكلوي وضعف المناعة وارتفاع الكولسترول الضار وغيرها...

وقد قال سماحة الشيخ محمد العثيمين: (لو قال الأطباء إنّ الرجل إذا أكل هذا تضرّر نقول: أكله حرام، بل قال شيخ الإسلام؛ إنه يحرم الأكل إذا خاف الإنسان التأذّي بالأكل وإن لم يتضرّر).

ومن المؤسف أنّ بعض الصالحين -مع حرصه على الفضائل غير الواجبة كقيام الليل مثلاً وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام- يتساهل في هذا الأمر، كيف وربنا سبحانه {لا يحبّ المسرفين}؟! وأسوأ الإسراف أن تأكل ما يضرّك أو تظنّ أنه يضرّك دون ضرورة تدفعك لذلك، والورع واجب {وملاك الدين الورع} و{خير دينكم الورع} صحيح الجامع/1727، 3308.

ومن المؤسف أيضًا أنّ الأطباء لا زالوا غير مدركين لخطورة هذا الطعام (إلاّ قليلا) ربما لأنّ هذا خارج اختصاصهم الطبي، ولأنّ مرجعياتهم (البريطانية والأمريكية) لم تعترف بذلك حتى الآن ولن تعترف به أبدًا ما دامت المصلحة المادية للمتنفذين في الدول الكبرى هي المسيطرة، وصناعة السكر وحده تدور بأكثر من 10 أصفار، هذا غير الصناعات الغذائية القائمة عليه، والصناعات الطبية المستفيدة من آثاره الضارة والقاتلة، والله المستعان.

وبالنظر لآلية التأثير لهذا الطعام ومقارنتها بغيره من الأطعمة الضارة كالميتة مثلاً وبالنظر لما أثبتته التجارب والتاريخ يتبين لنا أنّ هذا الطعام المنقّى أشدّ خطرًا على الجسم من الميتة والدم المسفوح وغيره، وذلك لأنّ ضرره سلبي ولا يمكن للجسم مقاومته، فهذا الطعام لا يحتوي على مواد ضارة يمكن للجسم مقاومتها بحسب قوّته كما في الميتة والدم المسفوح والتبغ والأطعمة الفاسدة أو الملوثة أو المحتوية على مواد صناعية ضارة كالملونات والمنكهات الصناعية والمواد الحافظة... بل خطورته هي في استهلاك مخزون الجسم من الفيتامينات والعناصر الترابية الضرورية لعملياته الحيوية والتي لا يمكنه الحياة بدونها. وهذا التأثير السلبي أشبه ما يكون بتجريد المقاتل من أسلحته ودروعه وقواه ليخسر كفاءته وفاعليته ومناعته شيئًا فشيئًا حتى يسقط عاجزًا أو جريحًا أو صريعا، وحين يراه الناس يحسبون ذلك بسبب أعدائه (من الطفيليات بأنواعها) وقد أصابوا بعض الحقيقة، وغاب عنهم أكثرها.

فلو عاش الإنسان -وكذلك الحيوان- على هذا الطعام المنقّى وحده فإنّ مخزونه من المواد اللازمة سيتناقص بسرعة كبيرة ويتبع ذلك ضعف الخلايا واضطرابها وانحلالها السريع فتنهار كفاءته المناعية وحالته النفسية والعقلية وقواه العصبية والعضلية حتى تتوقّف كل عملياته الحيوية ويموت خلال أسابيع معدودة يعاني فيها الكثير، والموت جوعًا وعطشًا أرحم من ذلك بلا شك، ولكن هذا الموت السريع بسبب هذا الطعام نادر جدّاً أو ربما هو غير موجود إلاّ في التجارب، فأكثر الناس يعيش على خليط من الطعام المنقّى وغيره فيبقى في درجات متفاوتة من الفاعلية الجسدية والعقلية والنفسية والمناعية، وتنهار بعض أجزاء الجسم أكثر وأسرع من غيرها بحسب الوراثة الحيوية وعوامل أخرى بينتها في كتاب (طريق العافية) والطبّ الحديث لا يعرف أو لا يعترف بشيءٍ منها بسبب إدراكه الضيق ونظرته الجزئية ومبادئه المادية القاصرة، والتي تمنعه من فهم حقيقة الأمراض الانحلالية وأسبابها وسبل علاجها الصحيحة وتجعله من أسباب زيادتها مهما نجح في الجانب الترقيعي والتسكيني.

انظر موضوع (الطبّ الكلّي) مقدمة كتاب (طريق العافية)

------------------------

الطعام الخطير

الطعام المنقّى:

هو كلّ طعام أزيلت عنه الموادّ الضرورية للجسم مثل الفيتامينات وأشباهها والعناصر الترابية، والسكّر المصنّع بكلّ أنواعه (الأبيض وغيره) هو الأكثر ضررًا، ثمّ النشا المصنّع ومشتقاته، ثمّ الحبوب النشوية مزالة القشر أو الجنين مثل القمح والشوفان والشعير والأرز والدخن والذرة؛ كلّها قد ثبت ضررها بلا شكّ، ثمّ باقي البذور المنقّاة (منزوعة القشر أو الجنين) وتشمل المكسّرات والبقوليات وهذه لا يمكنني الجزم بأنّ ضررها أكثر من نفعها ولا بعكس ذلك، فاحرص على أكل البذور كاملة بقشرها الداخلي وجنينها سواء في صورتها الكاملة أو طحينها أو مخبوزاتها وما يُصنع منها أو تدخل في صناعته، {إنك لن تدَعَ شيئًا اتقاء الله عزّ وجلّ ألاّ أعطاك الله خيرًا منه} رواه أحمد وصحّحه الأرنؤوط والألباني.

وهناك أيضًا الماء المنقّى (اليسِر) الذي يفضّله الناس لطعمه العذب وغير ذلك من الأسباب، وهو قد لا يكون ضارا كغيره من الأطعمة المنقاة، ولكن الماء العسِر أفضل للجسم، وقد وجد الدكتور هنري شرودر أنّه حيث يكون الماء عسرًا كان هناك معدل وفاة منخفض بسبب أمراض القلب والشرايين.

الأثر المدمِّر:

هذه بعض الإشارات والقرائن والبراهين على ضرر الطعام المنقّى، وهي متباينة ومتفاوتة الدلالة، ولكنها تتفق في مدلولها الشامل على أنّ الطعام المنقّى طعام خطير ومدمّر:

* فقد لوحظ في التجارب أنّ الكلاب التي أُعطيت الطعام المنقّى وحده -بروتينات ودهون وسكّريات ونشويات منقّاة- تموت خلال 27 يومًا، أمّا التي مُنِعَتْ من كلِّ طعامٍ غير الماء فيمكن أن تبقَى 60 يومًا، وهذا يعني أنّ بقاءك على الماء وحده حتّى الموت خيرٌ لك وأقلّ ألَمًا وعذابًا من أكل الطعام المنقّى.

* وفي ثلاثينات القرن العشرين -بتقويمهم- قام الدكتور وستون بدراسة حول غذاء الشعوب البدائية الموجودة بأجزاء عديدة من العالَم، وقد وَجَدَ أنّه حيث لم تتأثّر تلك الشعوب بالغذاء الحديث كانت نسبة حدوث الأمراض الانحلالية منخفضة جدّاً بالمقارنة مع ما يسمّى بالشعوب المتحضّرة، وعندما أصبح السكّر الأبيض والطحين الأبيض جزء من الطعام اليومي عند تلك الشعوب وعلى مدَى جيل واحد كانت التأثيرات مدمِّرة؛ حيث كان الانحطاط العامّ في الجسم ملاحظًا مع التأثير الحتمي على الحالة العقلية والخلُقية، وكان هذا الانحطاط متناسبًا مع كمية تناول الطعام المنقّى، وحيثما توقّف استهلاكه كانت التأثيرات الضارّة تتوقّف ثمّ تتراجع.

* والأمراض الانحلالية هي كلّ مرض ناتج عن ضعف الخلايا أو اضطرابها أو انحلالها في أيّ مكان في الجسم مثل الدماغ والأعصاب والغدد والقلب والشرايين والدم والكبد والطحال والكِلَى والعيون والأنف والجيوب والأذن والحنجرة والمعدة والأمعاء والمفاصل والجلد ومنها مثلاً مرض السكّري والسرطان وارتفاع الكولسترول الضارّ والفشل الكلوي والضعف العامّ والخاصّ والإجهاد الدائم والحساسيات والالتهابات بأنواعها وكثيرٌ غيرها، وقد أثبتت الإحصاءات أنّها تتزايد بمعدّلات كبيرة تتناسب مع معدّلات استهلاك الأطعمة المنقّاة وأنّها تهاجم الناس في عمر أبكر وأبكر وأبكر.

* فالسكّر المصنّع هو المتّهم الرئيس في ارتفاع الكولسترول وليس الدهون المشبّعة ولا كولسترول الطعام، وهو السبب الرئيس لقرحة المعدة. وذكَر الدكتور رويال أنّ السكّر الصناعي على شكل دكستروز أو شراب الذرة أو سكّر الذرة يعزِّز نموّ السرطان ويعيق تمثيل الكالسيوم وبالتأكيد يسبِّب داء السكّري في حيوانات المختبر.

* واكتشف الأطبّاء والباحثون الذين درسوا التوزيع الجغرافي للأمراض المختلفة أنّ هناك علاقة أكيدة بين نسبة استهلاك السكّريات المكرّرة وأمراض السمنة والقلب والسكّري، وتبدأ هذه الأمراض بالانتشار بعد عشرين عامًا من بداية استهلاك السكّر المكرّر على نطاق واسع.

* بل وأثبت العبقري الفذّ الدكتور ملحم علي حسن وكخلاصة مؤَكّدة وموثّقة بعد عشرات السنين من المشاهدة الواقعية والخبرة الدقيقة والنجاح الكبير في الوقاية والعلاج؛ أنّ السكّر المصنّع بأنواعه وما يُصنع منه هو سببٌ رئيس لكلّ الأمراض الانحلالية وأنّ ضرره ينتقل إلى الأبناء والأحفاد إذا لم يتمّ وقفه.

* ووصف الدكتور كارول هانز السكّر المصنّع بأنّه (لعنة الغذاء الحديث) وأكّد بعد أربعين عامًا من المشاهدة الدقيقة والخبرة العميقة والعلاجات الناجحة أنّه وبكلّ أنواعه وأشكاله وما يدخل في صناعته يسبّب خللاً في توازن الغدد التي تتحكّم بكيمياء الدم والجسم، وكذلك كلّ الحبوب المنقّاة والقهوة وأمثالها، وقال: إنّ هناك دليلاً ماديّاً يُظهِر أنّ كيمياء الجسم تكون غير متوازنة في كلّ مرض انحلالي، ثمّ قال: إنّ الغذاء الذي ينتج عنه نقصٌ في الفيتامينات والمعادن مثل القهوة والشاي وكلّ الأطعمة المنقّاة يجلب أمراض النقص الغذائي، وإذا لم يتمّ إصلاحه سيكون قاتلاً، ففي كلّ عام يموت عددٌ كبير من هذه الأمراض ويعيش عددٌ أكبر مصابًا بها دون أن يدري سببها، وهذه الأمراض يمكن تجنّبها وشفاؤها فقط بإطعام المريض الموادّ الغذائيّة الطبيعيّة الطازجة والكاملة.

* فمثلاً وخلال الحرب العالمية الأولى ظهرت أعراض مرض (البري بري) على الجنود البريطانيين وكانوا يعتمدون في غذائهم على الخبز الأبيض، ولم تظهر هذه الأعراض على الجنود الهنود الذين يحاربون معهم وكانوا يستعملون الخبز الكامل، وعندما ضاق الحصار عليهم ونفد غذاء البريطانيين اضطرّوا إلى استعمال خبز القمح الكامل فبدأت أعراض المرض بالزوال.

* وعندما قرّرت الحكومة في بريطانيا أن تزيد كمية النخالة في الخبز المصنّع، وتمّ تنفيذ ذلك بين عامَي 1941-1954 بتقويمهم انخفضت نسبة الوفيات من مرض السكّري إلى النصف خلال هذه المدّة، فكيف لو حُذف السكّر المصنّع؟ وغيره من الأطعمة الضارّة؟.

* وفي سنغافورة عام 1944 أمرت الحكومة البريطانية بأن لا يُنخل الأرز بعد جمعه حيث أنّ النخل يؤَدّي إلى نقص 30% من كمية الأرز الكلّية، وكان من نتائج ذلك أنّ معدّل وفيات الأطفال انخفض انخفاضًا حادّاً، والمقصود أنّ هذا يدلّ على انخفاض الأمراض القاتلة وغيرها.

وسكّان دول شرق آسيا الذين يعتمدون في غذائهم على الأرز الأبيض (المقشور) يتعرّضون كثيرًا لمرض البري بري وغيره، والآن تتمّ إضافة فيتامين الأعصاب (ب) المضادّ للبري بري إلى الطحين الأبيض وبعض أنواع الأرزّ الأبيض مع بعض الفيتامينات الأخرَى ولكن هذا لا يكفي، فماذا عن باقي الفيتامينات والعناصر الترابية (المعادن) المعروفة وغير المعروفة؟ وهي لا تقلّ أهمية عمّا أُضيف.

* وفي الهند يتميّز أهل قبائل جبال الهملايا بأنّهم أصحّاء أقوياء ذوي قامة ممدودة، ويقوم طعامهم على اللبن المحمّض والخضار الورقية والبطاطا وخبز القمح الكامل والقليل من اللحم، بينما يعاني أهل مدراس من أوجاع المعدة والأمعاء والقروح ويتعرّضون لأمراض لا يعرفها أولَئك وهم أقلّ طولاً وحجمًا، ويغلب على طعامهم الأرز الأبيض والبهار والتمر الهندي والسمك المقدّد.

* وفي دراسة أجريت في كاليفورنيا وأوهايو أعطي السجناء والأحداث طعامًا طازجًا يوميّاً لعدّة أشهر ولم يُعطَوا في تلك الفترة أيّ موادّ صناعية مغذّية أو سكّر أو قهوة، فلوحظ أنّ طباعهم العدوانية قد قلّت كثيرًا وبسرعة.

* وأوضح الدكتور ألكسندر شومي مدير المعهد الأمريكي للأبحاث الاجتماعية في أحد دراساته أنّ حذف السكّر والمواد الصناعية الأخرَى من غذاء تلاميذ المدارس أدّى إلى ارتفاع ملحوظ في المقدرة على التحصيل العلمي بدرجة لم تشهدها المدارس الأمريكية من قبل.

* وبذلك يمكننا أن ندرك تلك الحقيقة المؤَكّدة وهي أنّ الطعام المنقّى -وخاصّة السكّر والنشا والحبوب المنقّاة- يمتلك وبجدارة أكثر السجلاّت محقًا في التاريخ البشري، ولازال يكتسح ملايين البشر في كلّ عام ويعيق أضعافهم وينشر الكآبة والشقاء والعذاب الأليم والانحطاط الأخلاقي والفكري والنفسي والجسدي، بتأثيره البطيء وانتشاره الساحق المتزايد.

* ولا زالت الإحصاءات السنوية تخبر عن تزايد خطير في الآثار المدمِّرة للأطعمة المنقّاة، ولكن -يقول كارول هانز- كلّنا يعرف أشخاصًا يستهلكون كميات كبيرة من هذه الموادّ المصنّعة ويبدون بصحّة جيّدة نسبيّا، فهذا لا يعني أنّهم شواذ لمبادئ التغذية، بل يعني أنّه بسبب وراثتهم الخاصّة تكون حاجتهم للموادّ الأساسية ربما منخفضة جدّا، ولكن يبقَى أنّه مع الوقت سيبدأ هؤلاء الناس بالتعرُّض للمشاكل التي كان يمكن اجتنابها باتباع غذاء سليم فقط.

ولا يحقّ لأحد مهما بلغ علمه أن ينفي ضرر الطعام المنقّى بلا علم ولا حجّة، فذلك باطل، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم.

والعجيب أنّ كلّ هذه الآثار ملاحظة شديدة الوضوح في مجتمعاتنا، العجب هنا لأنّ الناس يعجبون ويستنكرون الكلام على السكّر الأبيض والطحين الأبيض والأرز الأبيض وقهوة البنّ رغم وضوح آثارها القاتلة، والسبب هو أنّهم لا يصدّقون أنّ هذه المواد هي سبب تلك الآثار، ومنها مثلاً الزيادة الكبيرة في أمراض السكّري والسمنة وأمراض الكلى والقلب في بلادنا، وقد اتهموا حياة الكسل والدهون المشبّعة ومن يضلِل الله فما له من هاد.

نظرة شرعية:

الغاية من هذا الموضوع هي التنبيه إلى ضرر الطعام المنقّى، أمّا الحكم الشرعي فلا شكّ أنّ كلّ ضارٍّ حرام، قال الله تعالى: {ويُحِلّ لهم الطيّبات ويُحَرِّمُ عليهم الخبائث} وكلّ ضارٍّ خبيث، وقال الله تعالى: {ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة} والتهلكة هي كلّ ما كان ضرره أكثر من نفعه في الدنيا والآخرة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا ضرر ولا ضرار} صحيح الجامع، والدين كلّه قائم على دفع المضارّ وجلب المصالح، فمن أنكر تحريم شيءٍ بعد أن علِم ضرره فقد قَدَحَ في أصل عظيم جليل من أصول الشريعة جهلاً أو عنادًا ومكابرة، وقَدَحَ في رحمة الله تعالى وحكمته التي لا بدّ أن تقتضي تحريم ما كانت مفسدته أكبر من نفعه، وقَدَحَ في العقل والفطرة السليمة التي تقتضي منع واجتناب المفاسد والمضارّ.

ولكن هل سكت الشارع الحكيم عن شيءٍ بهذا الضرر؟ وقبل ذلك هل كان هناك -في ذلك الزمان والمكان- طعامٌ منقّى؟ قال سهل بن سعد رضي الله عنه: (ما رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم النقيّ من حين ابتعثه الله حتّى قَبَضَه الله) صحيح البخاري، لذلك لم يَردْ تحريمه حتّى رآه، وعندما رآه سأل عنه، وعندما عرفه منَعه، فعن أمّ أيمن رضي الله عنها أنّها غربلَتْ دقيقًا فصنعته للنبيّ صلى الله عليه وسلم رغيفًا فقال: {ما هذا؟} قالت: طعامٌ نصنعه بأرضنا فأحببتُ أن أصنع لك منه رغيفًا، فقال صلى الله عليه وسلم: {ردّيه فيه ثمّ اعجنيه} صحيح ابن ماجه، والغربلة هي تنقية الدقيق من بعض نخالته، فأمَرَ بردّ ما نقّته منه فيه ثمّ عَجْنِه مرّةً أخرَى، ولو أنّه زهد فيه لتَرَكه لها لأنّه لم يعِبْ طعامًا قطّ إن رضيه أكلَه وإلاّ ترَكَه، وكان من المقبول أيضًا لو أنّه كرهه فقط أو زهد فيه أن يخبرها بأنّه لا يأكل المنقّى لتفعل هي بعد ذلك ما تشاء، هكذا يمكن أن يتصرّف ذو الأدب والحياء والخلق الكريم، أمّا أن يأمرها بردّ النخالة في الرغيف ثمّ عجْنه مرّة ثانية فيضيع جهدها الأوّل كلّه فإنّ هذا لا يمكن أن يكون بسبب الزهد! والقول بهذا قدحٌ في خُلق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، بل هو قد فعل ذلك لِعلّةٍ في الرغيف ذاته تمنع مِن ترْكه لأيّ إنسانٍ يأكله، والدليل على ذلك أيضًا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم (ما خُيِّر بين أمرين إلاّ أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما) صحيح البخاري، وهو هنا قد اختار الأصعب لأنّ الأيسر وهو ترك الرغيف المنقّى أو الخبز الأبيض إثمٌ مبين وشرٌّ مستطير.

هكذا اتفق عِلْم الشرع مع عِلْم الصحّة والغذاء على تحريم الطعام المنقّى، فالغذاء الصالح للجسم يجب أن يحتوي على الموادّ الضرورية ليتعامل الجسم معه دون أن يستهلك مخزون الجسم منها، ولتعويض ما يستهلكه الجسم منها في عملياته الحيوية التي لا تقوم بدونها.

القهوة والكافئين:

الكافئين يؤَدّي إلى خلل كيمياء الدم ويُضعف جهاز المناعة ويزيد التوتّر والعصبية ويخفض مستوَى فيتامين ب وَ ج والزنك والحديد، ويوجد الكافئين في القهوة والكولا والشاي والكاكاو. وعلى مدَى السنوات الماضية كانت نتائج الأبحاث والدراسات الكثيرة والمتفرّقة في شتّى أنحاء العالم تثبت أضرار القهوة على الجهاز الهضمي والمفاصل والقلب والحمل وغيره، وكلّ ضارٍّ حرامٌ بلا جدال ولا خلاف، والعاقل تكفيه الإشارة، ولكن أكثر الناس لا يعقلون.

وكما أنّ هناك بديل للأطعمة المنقّاة وهو الأطعمة الكاملة؛ فإنّ هناك أيضًا بديل عن قهوة البن وهو قهوة الشعير أو حساء الشعير أو ماء الشعير أو التلبينة، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: {التلبينة مجمّةٌ لفؤاد المريض تُذهب ببعض الحزن} متّفق عليه، والتلبينة: حساءٌ يُصنع من الشعير المدقوق وربّما جُعِل فيه عسل، وقالت عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخَذ من أهله الوعك أمَر بالحساء فصُنِع ثمّ أمَرهم فحسوا منه، وكان يقول: {إنّه لَيرتق فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسرو إحداكنّ الوسخ عن وجهها}) صحّحه الترمذي والحاكم والذهبي.

قال ابن القيّم: (الحساء من الشعير وهو ماء الشعير وفيه قوّة يجلو بها ويلطِّف ويحلِّل) زاد المعاد.

وقد ذُكِر من فوائد هذا الحساء أنّه مقوٍّ عامّ للجسم ومقوٍّ خاصّ للأعصاب والقلب والمعدة والأمعاء ومجدِّد للنشاط ومنشِّط للكبد ومليِّن ومهضّم ومدرّ للبول وخافض لضغط الدم المرتفع، ويوصف للأمراض الصدريّة وبطء النموّ عند الأطفال، ويفيد في علاج الديسنتاريا والإسهال والتهاب الأمعاء وأمراض الكلَى والمثانة والسعال والحمّى، وشربه ساخنًا على الريق أنفع.

والشاي أقلّ ضررًا وأكثر نفعًا من قهوة البن، ولكن أيّهما أكثر؛ الضرر أم النفع؟ فقد اشترط الدكتور كارول هانز أن يكون تناوله باعتدالٍ صارم ويكون مخفّفًا جدّاً من حيث نقع الأوراق في الماء، ودون تحليته بالسكّر، ثم عاد فنصح من يريد الصحّة بالامتناع عنه تمامًا وعن كل ما يحتوي على الكافئين، وهو الأولى والأسلم للعقلاء والمتقين الورعين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {دَع ما يريبك إلى ما لا يريبك} صحيح الجامع {فلْيحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم}.

انظر (الإنتان البؤري) و(كيمياء الجسم) وغيرهما في كتاب (طريق العافية)

الشبع شرٌّ وجوعٌ طويل:

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: {إنّ أكثر الناس شبعًا في الدنيا أطولهم جوعًا يوم القيامة} صحيح الجامع، وقال: {ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنه} صحّحه الترمذي والألباني وغيرهما.

انظر (الحدود الغذائيّة) في كتاب (طريق العافية)
 

كتَبه/ محمد بن أحمد التركي - عام 1423

mhmdahmd.jeeran.com

---------------------

والنفي ليس علمًا:

فعرض هذا البحث على الأطباء ثم نفيهم لما جاء فيه لا يزيدنا علمًا بشيء، لأنّ غاية نفيهم هي نفي العلم به، بينما التحقّق من صحة البحث يكون بالتثبت مما جاء فيه من معلومات وليس نفي العلم بها، ثم يبقى أنّ أحدًا لا يمكنه نفي الضرر لأنّ مجرد النفي مستحيل إلاّ بعلم اليقين، فهل عندنا علم يفيد اليقين بانتفاء الأثر الضار لهذه الأطعمة؟ والتحقق من ذلك هو في غاية البساطة لو قبلناه ابتداءً، فمثلاً؛ يمكننا تكرار تجربة الدكتور ملحم وتجربة الدكتور هانز، وهما تجربتان منفصلتان تمامًا لا علاقة لأحدهما بالأخرى وواقعيتان وناجحتان على مدى نصف قرن، ومن شخصين قادمين من عمق مدرسة الطب الحديث بعد أن أدركا عجزها العميق، وتجد خلاصتهما في موضوع الإنتان البؤري وكيمياء الجسم في كتابي طريق العافية.