وراجع أيضًا إن شئت؛
توثيق الرؤية الظنية بالحسابات الفلكية
واشتراط الغيم للإكمال وقبول شهادة الرجلين
--------------------------------------------------------
الأخطاء الكبرى في ابتداء الصوم والفطر والحج في نصف قرن
بسم الله وبحمده، قال فضيلة الشيخ عبد الله آل محمود مفتي قطر ورئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية رحمه الله: (قد ثبت بالتجربة والاختبار كثرة كذب المدعين لرؤية الهلال في هذا الزمان؛ وكون الناس يرون الهلال قويا مضيئا صباحا من جهة الشرق ثم يشهد به أحدهم مساء من جهة الغرب وهو مستحيل قطعا، ويشهدون برؤيته الليلة ثم لا يراه الناس الليلة الثانية من كل ما يؤكد بطلان شهادتهم.. كما شهدوا في زمان فات برؤية هلال شوال وأمر الناس بالفطر فأفطروا، وعند خروجهم إلى مصلى العيد لصلاة العيد انخسفت الشمس والناس في مصلى العيد، ومن المعلوم أن الشمس لا يخسف بها في سنّة الله إلا في اليوم الثامن والعشرين والتاسع والعشرين، أي ليالي الإسرار، كما أن القمر لا ينكسف إلا في ليالي الأبدار؛ أي ثلاث عشرة أو أربع عشرة أو خمس عشرة، كما حقق ذلك أهل المعرفة بالحساب وعلماء الفلك وحققه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع عديدة وأبطل ما يعارضه.. فالاستمرار على هذا الخطأ الناشئ عن الشهادات المزورة لا يجيزه النص ولا القياس، ولن نعذر عند الله وعند خلقه بالسكوت عنه.. فلأن نخطئ في التوثق والاستحياط أولى من أن نخطئ في التساهل والاستعجال.)
هذه مقتطفات من بحث كتبه الشيخ في 28 ذي القعدة 1393!
وقال فضيلة الشيخ محمد العثيمين رحمه الله: (إذا وقع كسوف الشمس بعد غروبها في أي مكان من الأرض فإنه يتعذر أن يكون اليوم التالي أول شهر جديد، وذلك لأنه من المعلوم عند المحققين من أهل العلم شرعا وأهل الخبرة حسا أن سبب كسوف الشمس الحسي حيلولة القمر بينها وبين الأرض، ومن المعلوم عند العامة والخاصة أن دخول الشهر لا يكون إلا حين يرى الهلال بعد غروب الشمس متأخرا عنها، فإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن يحكم بدخول الشهر في الليلة التي يقع فيها كسوف الشمس بعد الغروب، لأن ذلك مستحيل حسب العادة التي أجرى الله تعالى في سير الشمس والقمر، قال الله تعالى: {وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} وقال تعالى: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم، والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} وقال تعالى: {والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها} ففي هذه الآية نص على أن القمر ليلة الهلال تال للشمس، فإذا كان تاليا لها فهو متأخر عنها بعيد عن الحيلولة بينها وبين الأرض، فكيف يقفز حتى يحول بينها وبين الأرض؟!...
وعلى هذا فمن زعم دخول الشهر في الليلة التي تُكسف فيها الشمس بعد الغروب فهو كمن زعم أن القمر يكون بدرا ليلة الهلال أو أن الشمس تخرج قبل طلوع الفجر أو أن الجنين يستهل قبل أن يخرج من بطن أمه، ومن المعلوم أن هذا لا يمكن حسب السنّة التي أجراها الله تعالى في هذا الكون البديع في نظامه وإتقانه.
أمّا حسب القدرة الإلهية فلا إشكال في أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه قادر على جمع القمرين وتفريقهما وطمسهما وإضاءتهما في كل وقت، قال الله تعالى: {فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر، يقول الإنسان يومئذ أين المفر} لكن السنّة التي أجراها الله تعالى في سير الشمس والقمر في هذه الدنيا سنّة مطردة لا تختلف إلا حين تقع آية لنبي أو كرامة لولي.
كتبه محمد الصالح العثيمين في 30/1/1412 هـ
وقال فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع: (أرجو من المجلس الأعلى للقضاء أن يعيد النظر في مسلكه وأن يبعد بلادنا عن الانتقادات المتكررة في إثبات دخول الشهر وخروجه وما يقع لأولئك من أدلة على عدم التثبت وذلك بكسوف الشمس ليلة إثباته في حالات وقعت.) قال هذا في كلام له نشر في العدد 622 من جريدة المسلمين في شعبان 1417.
وبعد دراستي للنصف قرن الماضي وجدت أن الناس في بلاد الحرمين ومن تبعها أفطروا في عام 1379 يوم الأحد ثم حدث كسوف جزئي للشمس ضحى ذلك اليوم، وليس هو المقصود في كلام الشيخ عبد الله، ثم صاموا في عام 1381 يوم الاثنين بعد كسوف كلي ليلة الاثنين، ثم صاموا في عام 1382 يوم السبت بعد كسوف حلقي ينتهي بعد غروب شمس الجمعة، ثم صاموا في عام 1383 يوم الأربعاء بعد كسوف جزئي ليلة الأربعاء، ثم أفطروا في عام 1399 يوم الخميس بعد كسوف حلقي ليلة الخميس، ثم أفطروا في عام 1400 يوم الاثنين بعد كسوف حلقي ليلة الاثنين، ثم أفطروا في عام 1402 يوم الأربعاء بعد كسوف جزئي ليلة الأربعاء، ثم صاموا في عام 1405 يوم الاثنين بعد كسوف جزئي ليلة الاثنين.
وبدأ ذو الحجة 1392 يوم الجمعة بعد كسوف حلقي ليلة الجمعة، وبدأ في عام 1393 يوم الثلاثاء بعد كسوف حلقي ليلة الثلاثاء، وبدأ في عام 1415 يوم الأحد بعد كسوف حلقي ليلة الأحد، وفي عام 1397 كان هناك كسوف كلي ليلة الخميس من آخر شوال ثم بدأ ذو الحجة يوم الجمعة فكان ذو القعدة 28 يوما وهذا مستحيل شرعا وعقلا.
وأظهر الأخطاء؛ صيام الناس في عام 1381 بعد أن شاهد إخوانهم في إندونيسيا شروق الشمس مكسوفة ذلك اليوم! ثم صيام الناس في عام 1403 بينما كان إخوانهم في إندونيسيا يعيشون ظلام خسوف شمسي كامل! ثم قبول شهادة من شهد برؤية هلال شوال 1404 ليلة الجمعة (وكانت ليلة 29) بعد أن حدث كسوف حلقي شوهد في المغرب والجزائر وما حولهما بعد غروب الشمس في جزيرة العرب ليلة الخميس الأخير من شعبان فكان رمضان 28 يوما! ثم إن الشمس غربت في شرق جزيرة العرب ليلة الاثنين الأخير من رجب 1407 بينما كان الناس يتابعون كسوفها في مكة وما حولها، ثم صاموا يوم الثلاثاء فكان شعبان 28 يوما!. وفي العام 1393 بدأ ذو الحجة يوم الثلاثاء ووقف الناس بعرفة يوم الأربعاء بعد أن شاهد إخوانهم في الجزائر وما حولها ذلك الكسوف الحلقي بعد غروب الشمس في مكة ليلة الثلاثاء!.
وفي دراسة أجريت في الأردن الذي يتبع السعودية غالبا منذ عام 1373 إلى 1419 (47 عاما) تبين أن رمضان بدأ 26 مرة وشوال 31 مرة وذو الحجة 13 مرة في ليلة يغرب فيها القمر قبل الشمس! وهناك دراسة سعودية وسورية مشابهة، انظر (المشروع الإسلامي لرصد الأهلة)، ولست أرى فرقا في خطأ ابتداء الشهر عند غروب القمر قبل الشمس أو عند كسوفها بعد غروبها لأن العلة واحدة في كلا الحالين وهي عدم وجود الهلال بعد غروب الشمس. ومن كل هذه السنوات كان عام 1416 هو العام الوحيد الذي (ربما) لم نفطر فيه يومًا من رمضان، أقول (ربما) لأن الفطر لم يكن برؤية الهلال بل بإكمال الشهر ثلاثين على بداية خاطئة حيث كان لا يمكن رؤية هلال رمضان ذلك العام ليلة الأحد في أكثر أنحاء العالم، ولكن كان يمكن رؤيته ليلة الفطر. وقد وجدت أن الناس أفطروا في بلاد الحرمين برؤية الهلال 17 مرة بينما كان لا يمكن رؤيته في الليلة التالية حتى بأقوى وسيلة معروفة، وفي تسع منها كان الهلال ظاهرا فجر اليوم السابق للعيد!. .
وبسبب تلك الأخطاء المتتابعة تقرر عند أكثر الناس اعتقاد خاطئ بأنهم لا يمكن أن يروا هلال الليلة الأولى وأن ما يرونه هو حتما هلال الليلة الثانية أو الثالثة، حتى ذكر قاضي قضاة الأردن في جلسة إثبات شهر رمضان 1419 أنه لم يشهد أحد في الأردن برؤية الهلال منذ 23 عاما! وكيف لا يحدث هذا وأنتم تتبعون هذه البلاد التي تعلن دخول الشهر قبل يوم أو يومين من استهلاله؟! وهذا واضح المخالفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه..} متفق عليه، وهو أمر عام يقتضي الاستفاضة في الرؤية إلا في حال الغيم كما دلت النصوص، ولا يعارضها حديث ابن عمر كما ذكرت في بحثي السابق (اشتراط الغيم للإكمال وقبول شهادة الرجلين)، وهو قول أبي حنيفة، ورجحه مفتي قطر وقال: وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله المتعلقة بالهلال، فقال: (إنه لا يعتد برؤية الواحد ولا الاثنين للهلال والناس لم يروه لاحتمال التوهم منهما في الرؤية إذ لو كانت الرؤية صحيحة لرآه أكثر الناس) وقال: (إنما سمي الهلال هلالا لارتفاع الأصوات برؤيته وكما سمي شهرا لشهرته). ويؤيد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: {من اقتراب الساعة انتفاخ الأهلة, وأن يرى الهلال لليلة فيقال: هو ابن ليلتين} صحيح; السلسلة الصحيحة، فهذا الخبر يتضمن حكما بأن هذا الهلال الذي يظن الناس أنه لليلتين هو ابن ليلته، ومن المقبول في ظل هذين الحديثين أن يقال لهلال أول ليلة: هو ابن ليلته، ولكن ليس من المقبول أن يقال لهلال الليلة الثانية: هو ابن ليلته أو يعجز الناس عن رؤيته في سماء صافية!.
وقال الشيخ عبد الله آل محمود في رسالته للعلماء بعد خطأ شوال 1400: (إن الهلال لن يُطلب من جحور الجرذان والضبان بحيث يراه واحد دون الناس كلهم! وإنما نصبه الله في السماء لاهتداء جميع الناس في صومهم وحجهم وسائر مواقيتهم الزمانية؛ {ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} وما كان ميقاتا للناس لزم أن يشاهدوه جليا كمشاهدتهم لطلوع الفجر عندما يريدون الإمساك للصوم وعندما يريدون صلاة الفجر*، وقال: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق} فيا معشر علماء الإسلام أنقذونا وأنقذوا أنفسكم وأنقذوا الناس معكم من هذا الخطأ المتكرر كل عام حتى صار عند أكثر الناس من المألوف المعروف.) * [حتى الفجر لا يرونه يا شيخ!.]
وبسبب هذه الأخطاء صدرت موافقة الملك فهد رحمه الله بتكوين لجان خاصة لتحري الهلال في شعبان 1418، وفي العام التالي 1419 صمنا وأفطرنا ونسكنا في ليالي يغرب فيها القمر قبل الشمس!.
لقطات سريعة:
لقد ثبت لدى مجلس القضاء الأعلى رؤية هلال رمضان 1419 ليلة السبت بشهادة عدد كثير من الشهود بينما كانت رؤيته ليلة الأحد غير ممكنة حتى بالمنظار! ولم يتمكن عشرات الملايين من المسلمين في بقاع شاسعة في الهند وباكستان وجنوب أفريقيا من رؤية الهلال ليلة الأحد فأكملوا شعبان يوم الأحد. وفي عام 1420 أفطر الناس في هذه البلاد يوم الجمعة برؤية الهلال ليلة الجمعة، ثم أكمل المسلمون صيامهم في الهند وباكستان يوم السبت وأفطروا يوم الأحد لعدم رؤية الهلال ليلة السبت، وفي عام 1427 صام الناس في هذه البلاد برؤية الهلال ليلة السبت، وكالمعتاد لم تتمكن لجان تحري الهلال ولا المراصد الفلكية من رؤيته تلك الليلة، ولم نتمكن من رؤيته ليلة الأحد، وصامت الهند وباكستان بعدنا بيومين لعدم رؤية الهلال ليلة الأحد.
وذلك غير مقبول؛ فما شوهد الليلة في الجزيرة يجب أن يشاهد أكبر وأوضح في أفريقيا ثم في أمريكا، ثم يجب أن يكون كبيرا مرتفعا واضحا جدا في اليوم التالي في أكثر بلاد العالم إلا أن يحول بينهم وبينه غيم، ولم نسمع في التاريخ أن الغيم غطى بلادا شاسعة كالهند وباكستان تغطية كاملة إلا أن يكون ذلك حدث في زمن الطوفان الكبير، والدليل على ذلك أنه وعلى مدى أكثر من نصف قرن لم يتم إكمال شعبان أو رمضان بسبب الغيم في ليلة يمكن رؤية الهلال فيها، أي أن الناس لم يتأخر صومهم أو فطرهم عن اليوم الذي ظهر فيه الهلال، ولقد كان من المقبول أن نتأخر يوما بسبب الغيم ولنا العذر في أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس من المقبول أن نتقدم يوما وليس لنا حجة إلا رؤى شاذة ثبت لنا ضعفها وخطأها بأكثر من علامة أظهرها الله لنا لنعتبر، أو لمن شاء منا أن يعتبر.
وفي بحثه السابق قال الشيخ آل محمود؛ (أنه جاء الخبر من إحدى البلدان برؤية هلال شوال من هذه السنة -أي؛ 1393- ليلة الجمعة وأن يوم الجمعة هو العيد، فضجت الأصوات من الإذاعات يأمرون الناس بالفطر يوم الجمعة لاعتبار أنه العيد فأفطر الناس، وفي الليلة الثانية التي هي ليلة السبت اجتهد الناس لرؤيته فلم يروه قطعا، وفي الليلة الثالثة التي هي ليلة الأحد رآه أفراد من الناس الحادة أبصارهم رأوه ضعيفا..) ولعل الشيخ يعني بإحدى البلدان؛ السعودية، وهو من أشراف نجد ومن تلاميذ المفتي الأسبق سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، ولقد كان غروب القمر في مكة قبل غروب الشمس بـ 39 دقيقة ليلة الجمعة، وعند غروبها ليلة السبت. وقال في رسالته السابقة: (إن عيد الفطر من هذه السنة 1400 هـ قد وقع في غير موقعه الصحيح بناء على الشهادة الكاذبة برؤية الهلال ليلة الاثنين، حيث لم يره أحد من الناس الرؤية الصحيحة لا في ليلة الاثنين ولا في ليلة الثلاثاء، مما يستلزم بطلان هذه الشهادة، وقد تكرر مثل هذا الخطأ أعواما عديدة، إذ من شرط صحة الشهادة كونها تنفك عما يكذبها، والناس لم يروا الهلال إلا في الليلة الثالثة أي ليلة الأربعاء؛ رأوه صغيرا جرمه ومنخفضة منزلته كهلال أول ليلة من الشهر، وفي اللغة أن القمر ليلة الثالثة لا يسمى هلالا..)ا.هـ وقد كان غروبه ليلة الاثنين قبل غروب الشمس في مكة بعشر دقائق.
وفي هذا العام 1428 بدأ رجب يوم الأحد برؤية الهلال ليلة الأحد دون أن تراه لجان التحري ولا المراصد الفلكية، ولم نتمكن من رؤيته ليلة الاثنين، وعلى هذه البداية الخاطئة أكمل رجب وشعبان وبدأ رمضان يوم الخميس خطأ، ثم زعموا رؤية هلال شوال ليلة الجمعة بعد أن غاب قبل غروب الشمس، وكالمعتاد لم يتمكن أي مرصد من مراصدنا الفلكية ولا لجان التحري المعتمدة من رؤيته تلك الليلة، ولم تثبت رؤيته في مصر ولا في أمريكا في أقصى الغرب رغم صفاء الجو فأكملوا رمضان يوم الجمعة. ثم أمكن رؤيته ليلة السبت بالمنظار فقط في كاليفورنيا وأريزونا في أقصى الجنوب الغربي من أمريكا، ولم تثبت رؤيته بالعين المجردة ولا بالمنظار في باقي الولايات الأمريكية تلك الليلة. وكذا لم تثبت رؤيته في الباكستان والهند وبنجلادش رغم صفاء الجو فأكملوا رمضان يوم السبت. وفي تقرير من عُمان ذكر كاتبه أنه لم يتمكن من رؤية الهلال ليلة السبت بالمنظار، ولكن رآه بالتلسكوب ووصفه بأنه كان صغيرا جدا، وكل هذا موافق لتوقعات خرائط الرؤية والحمد لله. وعدم ظهور الهلال ليلة السبت كبيرا واضحا كما ينبغي لهلال الليلة الثانية يكذب رؤيته ليلة الجمعة. ثم إنه غاب ليلة الأحد بعد ساعة من غروب الشمس وهذا لا يكون لهلال الليلة الثالثة، ثم رأيناه في منتصف الشهر بعد صلاة المغرب من ليلة السبت بدرا كاملا مرتفعا قيد رمح، وكان شروقه عند غروب الشمس.
ويوم الجمعة هو التاسع والعشرون من رمضان ببدايته يوم الجمعة لعدم ثبوت رؤية هلال رمضان ليلة الخميس ولأن إكمال رجب وشعبان كان خاطئا كما تقدم، ويؤكد ذلك أن ليلة القدر كانت ليلة الخميس الموافق للحادي والعشرين من رمضان ببدايته يوم الجمعة، فهي ألطف ليالي العشر وأصفاها، وأشرقت الشمس في صبيحتها حمراء صافية لا شعاع لها رغم صفاء الجو، بينما أشرقت في الليالي الأخرى خلف ضباب أو غبار، وأشرقت صبيحة الأربعاء التالي حمراء قوية رغم وجود بعض الضباب في الأفق، وليلة القدر لا تكون في الأشفاع إلا إذا بدأ رمضان بعد إكمال شعبان بسبب الغيم على بداية صحيحة في أم القرى مكة، ولم يكن الإكمال على بداية صحيحة ولا بسبب الغيم، والأوتار عند الحساب من أول العشر أو من آخرها سواء، وذلك بإغفال ليلة الثلاثين لأنها قد تكون ليلة فطر فلا يصح إدخالها في العد.
والإكمال في حال الصحو مخالف للنص باشتراط الغيم لذلك كما بينته في بحثي السابق، وقد تسبب هذا الإكمال في عدد كبير من الأخطاء؛ فمنذ عام 1373 أفطر الناس في بلاد الحرمين 20 مرة بسبب الإكمال الخاطئ. وأذكر من الأخطاء الكبرى خطأ 1393؛ حيث بدأ شوال بزعم رؤية الهلال مساء الخميس ليلة الجمعة، وقد كان الهلال ظاهرا صباح الخميس حيث كان شروقه قبل شروق الشمس بخمسين دقيقة في مكة! وكان غروبه تلك الليلة قبل غروب الشمس بثلثي ساعة، ثم عجز الناس عن رؤيته ليلة السبت كما ذكر الشيخ عبد الله في بحثه السابق، وكان غروبه عند غروب الشمس، ثم كان القمر بدرا كاملا 100٪ في منتصف الشهر ليلة الأحد وأشرق في سماء مكة قبل غروب الشمس بعشر دقائق، ورغم وضوح هذا الخطأ بظهور الهلال صباح الخميس وعدم ظهوره ليلة السبت ثم اكتماله بدرا ليلة الأحد؛ أكمل الشهر يوم السبت وبدأ ذو القعدة يوم الأحد! وكان غروب القمر ليلة الأحد قبل غروب الشمس بثلث ساعة، وعجز الناس عن رؤيته ليلة الاثنين وكانت رؤيته غير ممكنة في أكثر أنحاء العالم، ثم حدث خسوف جزئي للقمر في منتصفه شوهد في بلادنا فجر الاثنين (16)، ورغم ذلك أكمل يوم الاثنين وبدأ ذو الحجة يوم الثلاثاء! وكان هناك كسوف حلقي ليلة الثلاثاء كما تقدم. وبعد ذلك كله لا زال البعض يصر على أن هذا هو شرع الله! سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، وهل شرع الله يصادم العقل والنظر إلى هذا الحد؟!.
الليالي البيض:
هي الليالي التي يكون فيها القمر بدرا كاملا عند شروقه، وقد كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والقرون الأولى هي ليالي (13 و14 و15) في أكثر الشهور، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكذلك أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الاستسرار وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار ووقت إبداره هي الليالي البيض التي يستحب صيام أيامها ليلة الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، فالقمر لا يخسف إلا في هذه الليالي) مجموع الفتاوى/24، وهذا يدل على أن الشهر القمري المعتبر شرعا يتأخر غالبا بيوم واحد عن الشهر القمري بالمقياس الفلكي الذي يقوم عليه تقويم أم القرى والذي أصبحت الليالي البيض فيه غالبا ليالي (14 و15 و16). والأخطاء تجاوزت ذلك حتى أصبحت الليالي البيض في بعض الأشهر (15 و16 و17) وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ رمضان 1381 والذي بدأ ليلة الاثنين برؤية الهلال بعد أن غاب القمر قبل غروب الشمس بـ 28 دقيقة، ثم غاب في الليلة التالية بعد غروب الشمس بـ 36 دقيقة ولا يمكن رؤيته، وكان سطوع القمر في منتصف الشهر؛ 97٪ ليلة الأحد، 99٪ ليلة الاثنين، 100٪ ليلة الثلاثاء وهي ليلة (16) ببداية الشهر ليلة الاثنين، ثم 99٪ ليلة الأربعاء. ورمضان 1390 والذي بدأ ليلة الجمعة بعد أن غاب القمر قبل غروب الشمس بـ 43 دقيقة، ثم غاب في الليلة التالية قبل غروب الشمس بخمس دقائق! وكان لا يمكن رؤية الهلال في الليلة الثالثة إلا في حال صفاء الجو! ثم كان سطوع القمر في منتصف الشهر؛ 96٪ ليلة الخميس، 99٪ ليلة الجمعة، 100٪ ليلة السبت وهي ليلة (16) من بداية رمضان ليلة الجمعة، ثم 98٪ ليلة الأحد. ورمضان 1403 والذي بدأ ليلة السبت برؤية الهلال بعد أن غاب قبل غروب الشمس بـ 40 دقيقة، وغاب في الليلة التالية بعد غروب الشمس بـ 25 دقيقة ولا يمكن رؤيته، وكان سطوع القمر في منتصف الشهر؛ 97٪ ليلة الجمعة، 99.6٪ ليلة السبت، 100٪ ليلة الأحد وهي ليلة (16) من بداية رمضان ليلة السبت، ثم 98٪ ليلة الاثنين. ورمضان 1412 والذي بدأ ليلة الأربعاء برؤية الهلال بعد أن غاب قبل غروب الشمس بـ 50 دقيقة في مكة، ثم غاب في الليلة التالية قبل غروب الشمس! وكان سطوعه في منتصف الشهر؛ 94٪ ليلة الثلاثاء، 98٪ ليلة الأربعاء، 100٪ ليلة الخميس وهي ليلة (16) من بداية رمضان يوم الأربعاء، ثم 99٪ ليلة الجمعة. وللمقارنة فقد بدأ رمضان 1404 يوم الجمعة بإكمال شعبان يوم الخميس، وسبقت الإشارة للكسوف الشمسي والذي يتعذر معه أن يبدأ الخميس، وقد غاب القمر في ليلته قبل غروب الشمس بست دقائق، ثم غاب ليلة الجمعة بعد 53 دقيقة، وكان سطوعه في منتصف الشهر؛ 95٪ ليلة الثلاثاء، 99٪ ليلة الأربعاء، 100٪ ليلة الخميس وهي ليلة (14) من بداية رمضان يوم الجمعة، ثم 99٪ ليلة الجمعة. أمّا في شوال 1428 فكان سطوع القمر في منتصف الشهر؛ 96٪ ليلة الخميس، 99٪ ليلة الجمعة، 100٪ ليلة السبت وهي ليلة (16) من بداية شوال يوم الجمعة، ثم 97٪ ليلة الأحد. وذلك كله عند غروب الشمس وشروق القمر في سماء مكة.
وبدأ رمضان 1379 يوم السبت ثم حدث في منتصفه خسوف كلي للقمر ظهر الأحد شوهد في أمريكا. وحدث خسوف كلي للقمر في منتصف ذي القعدة 1395 شوهد في بلادنا ليلة الأربعاء ثم بدأ ذو الحجة يوم الأربعاء!. وبدأ رمضان 1401 يوم الخميس ثم حدث في منتصفه خسوف جزئي للقمر شوهد في غرب أفريقيا وأمريكا ليلة الجمعة، وحدث خسوف كلي للقمر في منتصف شعبان 1406 شوهد في الهند وشرق آسيا واستراليا ليلة الجمعة ثم بدأ رمضان يوم الجمعة!.
الحسابات الفلكية:
التشكيك في دقة الحسابات الفلكية في هذا الزمن لا يستند إلى أي أساس مقبول شرعا ولا عقلا، والواجب على المؤمن أن يعلم ما يقول، ولا يقول ما لا علم له به، وقد قال ربنا سبحانه: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} وقال: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} فمن زعم أن الحساب أخطأ مرة فعليه إثبات زعمه هذا، فنحن لا نبني الأحكام على الظنون والأوهام!.
وشيخ الإسلام ابن تيمية كان يرى أن الحساب علم بخلاف التنجيم والكهانة، وقال: (ومن معرفة الحساب الاستسرار والإبدار الذي هو الاجتماع والاستقبال، فالناس يعبرون عن ذلك بالأمر الظاهر من الاستسرار الهلالي في آخر الشهر وظهوره في أوله وكمال نوره في وسطه، والحسّاب يعبرون بالأمر الخفي من اجتماع القرصين الذي هو وقت الاستسرار ومن استقبال الشمس والقمر الذي هو وقت الإبدار فإن هذا يضبط بالحساب، وأما الإهلال فلا له عندهم من جهة الحساب ضبط لأنه لا يضبط بحساب يعرف كما يعرف وقت الكسوف والخسوف، فإن الشمس لا تكسف في سنّة الله التي جعل لها إلا عند الاستسرار إذا وقع القمر بينها وبين أبصار الناس على محاذاة مضبوطة، وكذلك القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار على محاذاة مضبوطة لتحول الأرض بينه وبين الشمس، فمعرفة الكسوف والخسوف لمن صح حسابه مثل معرفة كل أحد أن ليلة الحادي والثلاثين من الشهر لابد أن يطلع الهلال وإنما يقع الشك ليلة الثلاثين) مجموع الفتاوى-25/رسالة في الهلال، وقال: (والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكنا لكن هذا المخبر المعين قد يكون عالما بذلك وقد لا يكون.. لكن إذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون) مجموع الفتاوى/24 فإن كان هذا قبل قرون فكم رزقنا الله بعدها من وسائل الضبط من حواسيب ومراصد على الأرض وخارجها؟ وكم مر بنا من خسوفات شمسية وقمرية ونجمية جاءت مطابقة للحساب الذي أجمع عليه علماء الفلك في مشارق الأرض ومغاربها بما يؤكد مصداقيته العالية في هذا الزمن؟.
والبعض قرأ أقوال الفلكيين حول شدة تعقيد حركة القمر واستحالة وضع تقويم قمري سنوي ثابت كالتقويم الشمسي وعد هذا تشكيكا في دقة الحساب! وهذا فهم خاطئ، فعلماء الفلك درسوا هذه الحركة وضبطوها ثم حولوها إلى برامج حاسوبية بالغة الدقة تعطي مواقع الأفلاك في أي لحظة في الماضي أو المستقبل بالنسبة للراصد أينما كان على الأرض بالأرقام أو الخرائط على شاشة الحاسوب بأنواعه المكتبية أو الكفية وغيرها، وقد جربت ذلك بنفسي لعدة سنين والحمد لله، ولكن لازال من المستحيل وضع تقويم قمري سنوي ثابت، بينما يمكن وضع تقويم قمري سنوي غير ثابت على معايير ثابتة كما هو الحال في تقويم أم القرى.
والفلكيون قد تختلف آراؤهم كما تختلف آراء الأطباء والعلماء، ولكنهم لا يختلفون في أصل حركة الأفلاك كتحديد وقت غروب الشمس والقمر في سماء مكة مثلا، فإن كان غروبه قبل غروبها أجمعوا على استحالة رؤيته، وقد يرى البعض انتهاء الشهر وبداية الشهر الجديد مادام ولد قبل غروبها دون النظر في كونه غاب قبلها، والبعض يرى ابتداء الشهر متى ولد القمر قبل الفجر! ذاك رأيهم، وهو لا ينفي إجماع عقلاء الإنس والجن من الفلكيين وغيرهم على استحالة رؤية القمر بعد غروبه، وبالتالي خطأ بداية الشهر في الليلة التي يغرب فيها القمر قبل الشمس عند كل من يحكم بشرع الله، ويبدأ الخلاف إذا غابت الشمس قبل غروبه وبعد ولادته؛ فبعض الفلكيين غير العارفين بعلم الرؤية يظن أن ولادة القمر قبل غروب الشمس ثم بقاؤه فوق الأفق بعد غروبها ولو لدقيقة واحدة يعني إمكانية رؤية الهلال، وتقويم أم القرى يسير على هذا المعيار منذ عام 1423 ولكنه معيار خاطئ لا يستند إلى أي إثبات واقعي صحيح، وهو معارض لحتمية استسرار القمر ليلة التاسع والعشرين، فالقائل بهذا المعيار يرى أن الهلال يمكن رؤيته صباحا قبل شروق الشمس بدقيقة ثم رؤيته مساء بعد غروبها بدقيقة! وهذا محال.
قال الشيخ عبد الله آل محمود في بحثه السابق: (وقد أجرى الله العادة في خلق القمر أنه يظهر لأبصار الناس في ثمانية وعشرين يوما من الشهر لحلوله في ثمانية وعشرين منزلا، ثم يختفي عن أبصار الناس يومين إن كان تاما ثلاثين أو يوما واحدا إن كان ناقصا أي تسعة وعشرين، فهذا الاختفاء والاستسرار في اليومين أو اليوم لا بد منه كما هو متفق عليه عند أهل العلم وأهل الحساب والجداول والمفسرين وعلماء اللغة وبعضهم قال بجواز اختفائه ثلاثة أيام، ويسمى هذا الاختفاء للهلال: السرار والاستسرار واجتماع النيرين والمحاق وغير ذلك من التسميات الجارية على ألسنة العرب.. ثم نقل الشيخ في بحثه أقوال العلماء في ذلك كالقرطبي وابن كثير وابن تيمية وغيرهم، ثم قال: وبهذا يتبين أن استسرار القمر ليلة أو ليلتين أنه من الأمر الثابت شبه المجمع عليه عند المحققين من سائر العلماء، وقد أجرى الله العادة به واستقر في نفوس الناس معرفته، فمتى رآه الناس صباحا عرفوا تمام المعرفة أنه لن يهل مساء أبدا، ولا تنخرم هذه العادة التي هي بمثابة القاعدة بدعوى الرؤية الكاذبة.)ا.هـ وقولهم ليلة أو ليلتين أي التي يختفي فيها القمر وجوبا ليلة 29 من كل شهر وليلة 30 إن كان تاما، ويستسر أيضا ليلة 28 غالبا ويظهر أحيانا.
أمّا رأي علماء السلف في (عدم رد الشهادة الظنية بالحساب الظني) وما نقل من الإجماع على ذلك فلا أظن أحدا يخالفهم فيه لأن الإثبات مقدم على النفي ما دام كلاهما ظني الثبوت، ولكن إذا تغير أحد أركان هذا الحكم فقد يتغير الحكم تبعا له، فإن اقتنع بعضنا بذلك وقال به فلا يحل لنا أن ننكر عليه لمجرد أننا لم نقتنع به! وربما يكون عدم اقتناعنا ناتج عن جهلنا فحسب.
وتحديد إمكانية رؤية الهلال ربما كان غير منضبط في زمن ابن تيمية فقال: (والحسّاب لا يقدرون على أن يضبطوا الرؤية بضبط مستمر، وإنما يقربون ذلك فيصيبون تارة ويخطئون أخرى) ولكنه نطق بما يعد أساسا لعلم الرؤية فقال: (بل إذا كان بعده مثلا عشرين درجة فهذا يرى ما لم يحل حائل، وإذا كان على درجة واحدة فهذا لا يرى، وأما ما حول العشرة فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية) وبعد مئات السنين تم ضبط ذلك بفضل الله تعالى ووضعت له معايير ثابتة دقيقة واضحة أثبتت مصداقيتها على مدى سنوات طويلة وفي مئات المواقع على الأرض، وأدق هذه المعايير معيار يالوب والذي تقوم عليه خرائط الرؤية في موقع الأستاذ خالد شوكت moonsighting.com ويتم صنعها ببرنامج حاسبة القمر للدكتور منذر أحمد، ومثله معيار عودة والذي تقوم عليه خرائط الرؤية في موقع المشروع الإسلامي لرصد الأهلة www.icoproject.org ويتم صنعها ببرنامج المواقيت الدقيقة للأستاذ محمد عودة، ولا فرق بينهما في تحديد إمكانية رؤية الهلال بالعين المجردة، وهو المعتبر في الشرع، والواقع يؤكد صدقهما في ذلك؛ فلا نعلم أن الهلال ظهر ورآه أكثر الذي تحروا رؤيته واشتهر أمره بين الناس في مكان يقع خارج حدود الرؤية الممكنة بالعين المجردة، وسجلات الدول التي تعمل بالرؤية المستفيضة هي أقوى دليل على ذلك، وهم أسعد الناس بالصواب في هذا الزمن.
وإطلاق لفظ (ولادة الهلال) على لحظة اقتران الشمس والقمر هو خطأ أدى لفهم خاطئ، والأصوب هو لفظ القران أو ولادة القمر لا الهلال، فحدوث القران لا يعني أن الهلال قد ظهر على سطح القمر، بل تلك لحظة في وسط طور المحاق أو الاستسرار المعروف عند العرب، كما قال شيخ الإسلام: (وهذا الاجتماع يكون بعد الاستسرار وقبل الاستهلال). وظهور الحد المضيء للقمر لا يعني أنه يمكن رؤيته من سطح الأرض بعد ظهوره مباشرة، بل يجب أن يزيد ضياؤه عن ضياء الأفق المحيط به لحظة المشاهدة حتى يمكن تمييزه بالبصر الصحيح المتوسط بين عامة الناس، وعند إذ يسمى هلالا.
إدراك الخطأ والاعتراف به:
وهو المقصود من كتابة هذا البحث، فالخطوة الأولى نحو التغيير والإصلاح هي إدراك أن هناك ما يحتاج لذلك، والخطوة الثانية هي نشر الوعي به بين العلماء والمسؤولين. أما العامة فقد كفاهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحّون} صحيح الجامع، وما جعل الله عليهم في الدين من حرج.
ومن سمع بهذا الاختلاف حول رؤية الهلال وأعطاه الله حظا من الاهتمام بأمر دينه وعبادته وحظا من النظر وصحة الإدراك والبصيرة فرأى كيف تبدو الشمس حين تكون مرتفعة في السماء وكيف تبدو عند شروقها أو غروبها، ثم تابع القمر بأطواره ورأى كيف يبدو حين يكون مرتفعا في السماء وكيف يبدو عند شروقه أو غروبه، وكيف يبدو عند غروب الشمس في أول ظهوره للناس أول الشهر... عندها سيدرك بالواقع المشاهد ما ذكرناه عن أخطاء عشرات السنين.
ثم ماذا؟ ألا يجب علينا أن نعترف بأننا أخطأنا حتى لا يوصف هذا الدين بالنقص والعيب بعد كل تلك الأخطاء؟ فهذه الأخطاء المتكررة في كل عام منذ عشرات السنين لا شك أنها من شؤم مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ {لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه} وتعطيل لوازمه العقلية التي أكدها علماء السلف والخلف؛ كاستحالة كسوف الشمس أول الشهر وخسوف القمر ليلة السادس عشر وظهوره فجر التاسع والعشرين، فوقعنا فيما هو أسوأ من الحساب الذي نهرب منه، كالمستجير من الرمضاء بالنار! حتى عجز الناس عن رؤية الهلال في الليلة الثانية بدلا من وجوب رؤيته في الليلة الأولى، والشرع لا يتعارض مع العقل، فكيف وقد حكّمه في هذا الأمر؟! فالأحكام معلقة برؤية الهلال، وما لم يظهر للناس حتى يشتهر بينهم ويراه أكثر الذين تحروا رؤيته لا يسمى هلالا ولا يقوم به حكم.
قال شيخ الإسلام: (وذلك أن الهلال أمر مشهود مرئي بالأبصار، ومن أصح المعلومات ما شوهد بالأبصار، ولهذا سموه هلالا لأن هذه المادة تدل على الظهور والبيان... فالذي جاء به شرعنا أكمل الأمور لأنه وقّت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار) لذا لا حاجة لنا في الحساب لحل هذه القضية، فهذه الأمّة أكرمها الله بما يصلح لأقصى درجات الأمّية في كل زمان ومكان، فالحل هو بالرجوع لحقيقة حكم الشرع ومقصوده، وأقرب الأقوال لذلك وأبعدها عن الخطأ في هذا الزمن هو رأي الإمام أبي حنيفة، ويكفيه وجاهة أن تجتمع به الأمّة ويزول به هذا الخلاف العريض، وهذا مقصود عظيم يستحق من بعضنا أن يضحي بقناعته في الرأي الآخر، وتطبيق هذا في واقعنا أن لا يحكم بابتداء الشهر ما لم يشهد برؤية الهلال من كل مدينة غير واحد أو إثنين ولم تشهد برؤيته المراصد الفلكية ولجان التحري، إذ لو كانت الرؤية صحيحة لرأته المراصد واللجان ورآه الناس في المدن والقرى حتى يكون الشهود من أنحاء البلاد بالمئات، والمائة في عشرين مليونا أقل من الواحد والإثنين في مائة ألف.
وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين
كتبه/ محمد بن أحمد التركي في شوال 1428
وللمزيد انظر
تعقيب الشيخ عبد المحسن العبيكان على خطأ رمضان 1427
وتعقيب الأستاذ الفلكي محمد عودة على ذات الخطأ
وفتوى فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع حول أوائل الشهور 1428
ثم رده على فضيلة الشيخ صالح اللحيدان
-----------------------------------------------
اشتراط الغيم للإكمال وقبول شهادة الرجلين
بسم الله وبحمده، وبعد؛ فحديث ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: رأيت الهلال، قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ قال: نعم، قال: {يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا} قال الألباني في إرواء الغليل/907: ضعيف، ثم قال: فإن سماكا مضطرب الحديث وقد اختلفوا عليه في هذا؛ فتارة رواه موصولا، وتارة مرسلا وهو الذي رجحه جماعة من مخرجيه؛ فقال الترمذي: (حديث ابن عباس فيه اختلاف، وروى سفيان الثوري وغيره عن سماك عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا، وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن عكرمة عن النبي مرسلا) قلت: وقد رواه الفضل بن موسى عن سفيان به موصولا بذكر ابن عباس، أخرجه النسائي والدارقطني والحاكم، لكن خالفه جماعة منهم عبد الله بن المبارك فرووه عن سفيان مرسلا كما ذكر الترمذي، وقال النسائي فيما نقله الزيلعي (2/443): (وهذا أولى بالصواب لأن سماكا كان يلقن فيتلقن، وابن المبارك أثبت في سفيان من الفضل).ا.هـ
وحديث ابن عمر قال : (تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود/2342 وصححه الألباني. وهذه قد تكون حالة غير معتادة، فربما كان ذلك الترائي في وجود غيم، فرآه ابن عمر من خلال فرجة فيه، وهذا هو الأقرب لأن الحالات الخاصة هي التي تذكر وتنقل كهذه الحالة المفردة، وكذلك حديث ابن عباس لو صح، ويحتمل أيضا أن ابن عمر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار أنه أول من رآه وليس باعتبار أنه الوحيد الذي رآه، وليس في قوله ما ينفي تأييد جماعة الترائي له في شهادته عند الرسول صلى الله عليه وسلم أو أن هناك من شهد قبله.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا} رواه النسائي/2116 وقال الألباني في إرواء الغليل/909: هذا سند صحيح رجاله ثقات كلهم.ا.هـ ورواه أحمد/18915 من طريق آخر ضعيف، وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره وهذا إسناد ضعيف لضعف حجاج بن أرطأة وبقية رجاله ثقات.ا.هـ فقوله: {فإن شهد شاهدان} مشروط بقوله {فإن غم عليكم} فلو أن الشاهدين مقبولان مطلقا لربطهما بالرؤية مباشرة فقال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها بشهادة شاهدين..، ذلك مقتضى بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم، ويؤكد ذلك حديث أمير مكة قال: (عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما) صححه الألباني في صحيح أبي داود/2050 فهنا أيضا اشترط عدم الرؤية لقبول الشهادة فقال: (فإن لم نره) والمقصود في حال الغيم لأن حمله على العموم يفقده قيمته في الكلام فيكون وكأنه قال: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننسك للرؤية بشهادة شاهدي عدل.
ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تصوموا حتى تروا الهلال...} متفق عليه، فهذا جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فلو أن شهادة الاثنين تكفي مطلقا لبين ذلك هنا كأن يقول: لا تصوموا حتى يُرى الهلال بشهادة شاهدين، أو نحو ذلك. وقد قال: {تروا الهلال} وليس: (يراه بعضكم) وذلك لا يتم حتى يراه أكثر الذين خرجوا لتحريه من ذوي البصر الصحيح في سماء صافية، فبهذا يكون قد ظهر واشتهر أمره بينهم ويصدق عليه وصف الهلال كما ذكر العلماء. وقد استثنى من ذلك حال الغيم ونص فيه على شهادة شاهدَين، ولا يعارض هذا حديث ابن عمر في الصوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على الصوم أيضا نصا صريحا، وأمره مقدم على فعله، والمنطوق مقدم على المفهوم، وحديث ابن عمر يحتمل أكثر من احتمال كما سبق، ولعل ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال.
وعدم قبول شهادة الشاهدين في حال الصحو هو مذهب الإمام أبي حنيفة، وهو الأقرب للدليل، وهو أقرب للعقل أيضا وأبعد عن الخطأ، ولكن لماذا تقبل شهادة الشاهدين في حال الغيم ولا تقبل في حال الصحو؟ لعل ذلك لغلبة المعارضين لها في حال الصحو دون حال الغيم، مما يدل في الغالب على خطأ من شهد برؤية الهلال، أو لعل بصره يفوق البصر الصحيح المعتاد عند عامة الناس، فقوله مردود لأن ما رآه لا يسمى هلالا، والأحكام العامة لا تقوم على الأحوال الشاذة.
ولا شك أن نفي الوجود أقوى دلالة على الخطأ والشذوذ، وبالتالي إبطال شهادة الشاهدين والثلاثة والسبعة حتى في حال الغيم، ولقد أعطانا الله علما دقيقا نعلم به عدم وجود القمر في السماء عند المشاهدة لغروبه قبل غروب الشمس، أو عدم إمكانية رؤية القوس المضيء منه لشدة سطوع الأفق المحيط به وصعوبة تمييزه فيه بالعين المجردة أو بالمنظار أو حتى بالمرقب أو التلسكوب، أي أنه لازال في طور المحاق الذي يستتر فيه ليلة أو ليلتين بين هلال آخر الشهر والهلال الجديد، فينبغي أن نعتبر بذلك.
والإكمال أيضا مشروط بحال الغيم، فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر رمضان فقال: {لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له} متفق عليه، فهذا نهي صريح يؤكد تعليق الصوم والفطر بالرؤية المستفيضة إلا في حال الغيم، فالهلال يجب أن يظهر في الليلة الأولى بدلالة الشرع والعقل، ولا يمنع من ذلك غير السحاب وما كان في حكمه كالغبار، فلا سبب يدعو للتقدير في ليلة صافية، ويؤكد هذا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام) صححه الحاكم والذهبي والألباني (إرواء الغليل/902).
فمثلا؛ لو لم يظهر هلال رمضان للناس ليلة الأربعاء (التي يظنون أنها ليلة الثلاثين من شعبان) مع صفاء الجو فإن عليهم أن يتحروه ليلة الخميس، فإذا لم يظهر لهم رغم صفاء الجو فإن هذا يؤكد خطأ بداية شعبان يوم الثلاثاء ويوجب التحري ليلة الجمعة... أما لو كانت بداية شعبان يوم الثلاثاء بيقين (برؤية عامة مستفيضة) فإن هلال رمضان سيظهر حتما ليلة الخميس، فتكون بداية رمضان يوم الخميس برؤية الهلال في ليلته، فإن غم علينا ليلة الخميس بدأنا رمضان يوم الخميس بإكمال شعبان يوم الأربعاء. والحكمة من ذلك هي منع تراكم الخطأ، كالذي حدث برؤية هلال رجب (1428) ليلة الأحد خطأ...
والبعض فسر التقدير بالحساب الفلكي، ولكن في رواية أخرى عند مسلم/1080 {فاقدروا له ثلاثين} وعند البخاري/1808 {فأكملوا العدة ثلاثين} فهذه الروايات (عن ابن عمر) تكمل وتفسر بعضها، ولكنها لا تمنع من استخدام الحساب في التقدير ثلاثين؛ مثلما لو غم علينا شعبان ورمضان حتى لا يكون رمضان 28 يوما إذا ظهر الهلال ليلة 29 فنقدر بداية شعبان بالحساب ثم نكمله على ذلك ثلاثين، وأمر الرؤية جاء في الصوم والفطر والنسك فلا مانع من التقدير بالحساب في شعبان وذي القعدة مادام الحساب دقيقا، والمعتبر هنا الحسابات الخاصة بالهلال، فنثبت بداية الشهر عند اتفاق أدق المعايير على إمكانية رؤية الهلال.
كتبه/ محمد بن أحمد التركي - في شعبان 1428