لطباعة هذا البحث حمل هذا الملف
--------------------------------
بسم الله الرحمن الرحيم
شبهات وردود؛
حول وجوب مقاربة الركوع والسجود للقيام
تتمة؛ رسالة في أهمية الركوع
والسجود
الشبهة الأولى؛ في فهم حديث: {أعطُوا كلّ سورةٍ حظّها من الركوع والسجود}:
فقد ذكَر المناوي بعض الاحتمالات على هذا الحديث فقال: يحتمل أنّ المراد إذا قرأتم سورة فصلّوا عقبها صلاة قبل الشروع في أخرى، ويحتمل أنّ المراد أوفوا القراءة حقّها من الخشوع والخضوع اللذين هما بمنزلة الركوع والسجود في الصلاة، وإذا مررتم بآية سجدة فاسجدوا. (فيض القدير/1160). ومن الواضح أنّ هذا ليس شرحًا للحديث، بل هي احتمالات مختلفة وكلّها بعيدة؛ فالأول غريب جدّاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم كانوا يقرؤون القرآن خارج الصلاة، فهل ورد عنهم أنهم كانوا يصلّون بعد كلّ سورة؟ والاحتمال الثاني أبعد من الأول وهو من تحميل النصوص ما لا تحتمل وصرفها عن ظاهرها دون سبب، ومن المعلوم أيضًا أنّه ليس في كلّ سورة سجدة، ولا يلزمك الركوع مع سجود التلاوة!. ولا يبدو أنّ أحدًا وافق المناوي في شيءٍ من ذلك، ولا يبدو أنه هو نفسه مقتنع به.
وذكر العيني في (عمدة القاري/774) قول بعض العلماء؛ إنّه لا ينبغي للرجل أن يزيد في كلّ ركعة من صلاته على سورة مع فاتحة الكتاب واحتجّوا في ذلك بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن هشيم عن يعلى بن عطاء عن ابن لبيبة قال: قلت لابن عمر أو قال غيري: إنّي قرأت المفصّل في ركعة، قال: أفعلتموها؟! إنّ الله تعالى لو شاء لأنزله جملة واحدة، فأعطوا كلّ سورة حظها من الركوع والسجود. وأخرجه الطحاوي أيضًا... ا.هـ واحتجاجهم بقول ابن عمر على ذلك خطأ لأنّ ابن عمر نفسه كان يقرأ في الركعة بالسور كما سيأتي، لذلك ذكره العيني فيمن يجيزون الجمع بين السورتين في ركعة بناءً على حديث الذي كان يقرأ سورة الإخلاص في كلّ ركعة مع سورة أخرى غير الفاتحة، فقال في موضع قريب مما سبق: وإليه ذهب سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعلقمة وسويد بن غفلة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية ويروى ذلك عن عثمان وحذيفة وابن عمر وتميم الداري رضي الله تعالى عنهم. ا.هـ ومما يدلّ على جوازه أيضًا حديث حذيفة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة والنساء وآل عمران في ركعة، وجاء في الصحيحين أنّ رجلاً من بني بجيلة يُقال له نهيك بن سنان جاء إلى عبد الله ابن مسعود فقال: إني أقرأ المفصّل في ركعة، فقال عبد الله: (هذّاً كهذّ الشعر؟.. إنّ أفضل الصلاة الركوع والسجود، إنّي لأعلم النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن سورتين في كلّ ركعة) وهذا اللفظ لمسلم/822، فلا يجوز تفسير أمر النبي صلى الله عليه وسلم بما يتعارض مع فعله مادام يحتمل غيره، وهذا التفسير يتعارض مع دلالته اللغوية أيضًا.
وقول ابن مسعود: (إنّ أفضل الصلاة الركوع والسجود) يتفق مع الفهم الصحيح لما أراده ابن عمر بقوله: (أعطوا كلّ سورة حظها من الركوع والسجود) في حادثتين متماثلتين تحذيرًا من أن يغلِب طول القيام على الركوع والسجود، وهذا يؤيد قول الألباني في هامش صحيح الجامع على هذا الحديث: (كأنّه يعني الأمر بتعديل الأركان والتسوية بين القيام والركوع والسجود كما هو السنّة) فهو الأقرب للمعنى الصحيح الذي اجتمعت فيه دلالة السنّة الصحيحة وفهم الصحابة وفعلهم والدلالة اللغوية الظاهرة وأيدته النصوص السابقة في أهمية الركوع والسجود.
وقد روى الإمام أحمد/20670 هذا الحديث أيضًا عن يحيى بن سعيد الأموي عن عاصم قال ثنا أبو العالية قال أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {لكلّ سورة حظّها من الركوع والسجود} قال: ثم لقيته بعد فقلت له إنّ ابن عمر كان يقرأ في الركعة بالسور فتعرف من حدثك هذا الحديث؟ قال: إني لأعرفه وأعرف منذ كم حدثنيه؛ حدثني منذ خمسين سنة. قال الأرنؤوط: إسناده صحيح. وفي (سنن البيهقي-3/10) قال: إني لأذكره وأذكر المكان الذي حدثنا فيه، وفي (شرح معاني الآثار-1/354) بهذا السياق ولكن بلفظ: (لكلّ سورة ركعة). واللفظ الأول أقوى سندًا وأقرب للسنّة وفعل الصحابة، والثاني واضح المعارضة لهما سواء في الجمع بين أكثر من سورة في ركعة كما سبق أو في تقسيم السورة في أكثر من ركعة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة المغرب بالأعراف وأبو بكر وعمر في الفجر بالبقرة، ولعلّه رواية بالمعنى من بعض الرواة بفهمهم، وهو فهمٌ بعيد؛ فعبارة {من الركوع والسجود} تدلّ على جنس الركوع والسجود، وهذا لا يمكن حصره بركعة أو بقدر محدّد من الطول أو العدد، بل هو معلّق بكلمة {حظّها} نسبة إلى السورة، فلكلّ سورة حظّ يناسب طولها، فحظّ سورة الكوثر ليس كحظّ سورة البقرة، فسورة البقرة والنساء وآل عمران مثلاً حظّها من الركوع والسجود أكثر من سبع ساعات سواء جُعلت في ركوع وسجدتين أو مائة ركوع ومائتي سجدة... وهكذا؛ لو أننا أضفنا كلمة إلى اللفظ الثاني فكان (لكلّ سورة ركعة تناسبها) لصار فيه معنى اللفظ الأول وخاصة لو أبدلنا كلمة ركعة فكان (لكلّ سورة ركوع وسجود يناسبانها) فهذا أقرب من السابق وفيه دلالة واضحة على المعنى الصحيح، ولكنه لازال يحتمل ذلك المعنى البعيد؛ وهو أنك إذا قرأت سورة فلا تقسمها في ركعتين أو لا تزد عليها غيرها في ركعة، ويزول هذا الاحتمال بتعديل بسيط فيكون؛ (لكلّ سورة من الركوع والسجود ما يناسبها) وهذا هو معنى اللفظ الأول، مع فارق مهمّ؛ وهو البلاغة وبيان الحكمة التي سبقت الإشارة إليها، فلا بديل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في بلاغته وحكمته وعدله وسماحته. ويُضاف في بدايته زيادة ثابتة في مسند الإمام أحمد/20609 وصحّحها الأرنؤوط؛ {أعطوا} وتفيد الأمر الجازم، والأصل في الأوامر أنها للوجوب إذا خلَت من قرائن الاستحباب والإباحة، فمتى سنلتزم بهذا الأمر النبوي الكريم ونعطي كلّ سورة حظّها من الركوع والسجود؟.
وحظّ السورة هو بقدر قراءة أكثرها أو بقدر قراءتها حدرًا، وهما متقاربان لمن أعطى السورة حظّها من الترتيل والتغنّي والتدبّر والتأثّر، فمثلاً؛ يمكن قراءة التوبة بترسّل في ساعة، ويمكن قراءتها بالحدر في نصف ساعة، فيكون للصفحة من الركوع والسجود دقيقة ونصف لكلّ ركن ذلك أقلّ حظّها ونصيبها، ودقيقة ونصف للاعتدالين معًا، فتلك ستون ساعة لكامل القرآن مع ثلاثين ساعة لقراءته، وعليه؛ يمكن ختم القرآن في قيام رمضان مثلاً في تسعين ساعة ويضاف لها عشرون ساعة لسورة الفاتحة (في ثمانين وثلاثمائة ركعة) وحظّها من الركوع والسجود مع التشهّد والانتقالات بين الأركان، فتلك ثلاث ساعات لكلّ عشر ركعات، ذلك أقلّ حظّ القرآن من الركوع والسجود وأقلّ ما ينبغي لهما لمن عرف فضلهما، ومن أراد التخفيف فيمكنه قراءة ربع القرآن في العشاء والفجر، فتبقى تسعون ساعة؛ ساعتان وثلُث لكلّ عشر ركعات، والحرص على سنّة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة الخاشعة المتقاربة والتلاوة المترسّلة أهمّ من عادة ختم القرآن في صلاة التراويح لمن كان همّه مرضاة ربّه عزّ وجلّ ولمن عرف المقصود الأعظم من الصلاة والصيام وتلاوة القرآن فأراد تحقيقه في نفسه وفي الناس، والعبرة بما وافق الشرع وحقّق مقاصده، فأرجو من العارفين أن يهتمّوا لذلك وأن يعيدوا للصلاة أثرها في قلوب الناس بإقامة السنّة فيهم لعلّ الله أن يصلح أحوالنا.
الشبهة الثانية؛ في حقيقة التسبيحات الثلاث:
ففي حديث حذيفة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قام بسورة البقرة والنساء وآل عمران؛ (ثم ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم فكان ركوعه نحوًا من قيامه ثم قال سمع الله لمن حمده ربّنا لك الحمد ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع ثم سجد فقال سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبًا من قيامه) صحيح مسلم/772، فلا يمكننا القول إنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يسبّح في سجوده غير تسبيحة واحدة، لأنّ هذا يتعارض مع قول حذيفة (فكان سجوده قريبًا من قيامه) ويلزم منه أنّه كرّر التسبيح في سجوده مرارًا وربما دعا مع ذلك حتى كان سجوده قريبًا من قيامه، وكذلك في الركوع كرّر التسبيح وفي اعتداله منه كرّر الحمد، وعلى هذا؛ فالآثار التي فيها ذكر تسبيحة واحدة ليست حجّة لمن يقول: إنّ أدنى الكمال في الركوع والسجود تسبيحة واحدة، وفي رواية النسائي/1133 وصحّحها الألباني قال: {سبحان ربّي العظيم سبحان ربّي العظيم سبحان ربّي العظيم}... وزيادة الصحيح صحيحة معتبرة، فذِكْر هذه التسبيحات الثلاث هو إشارة للتكرار لا للحصر، وكذلك قوله: {لربّي الحمد لربّي الحمد} في اعتداله بعد الركوع، و{ربّ اغفر لي ربّ اغفر لي} بين السجدتين، رواه النسائي/1069 وصحّحه الألباني.
والآثار التي فيها ذكر عدد التسبيحات أسانيدها ضعيفة:
1- فحديث ابن مسعود؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه. حديث مشهور احتجّ به الفقهاء على أنّ أدنى الكمال في الركوع والسجود ثلاث تسبيحات، ولكنه مرسل، قال ذلك البخاري كما جاء في تحفة المحتاج-1/301 والترمذي في سننه/261 وأبو داود في سننه/886 والطحاوي في شرح معاني الآثار-1/232 والبيهقي في السنن الكبرى-2/76 والنووي في الخلاصة-1/398 والذهبي في المهذب-2/558 وابن حجر في تلخيص الحبير-1/395 والشوكاني في الدراري المضيئة/90 وقال في نيل الأوطار-2/275: فيه إسحاق بن يزيد الهذلي؛ قال ابن سيد الناس: لا نعلمه وثق، وفيه السري بن إسماعيل وهو ضعيف، ووافقهم الألباني في هامش صفة الصلاة.
2- وحديث؛ سبِّحوا ثلاث تسبيحات ركوعًا وثلاث تسبيحات سجودًا. أيضًا مرسل، قال ذلك البيهقي في السنن الكبرى-2/82 والذهبي في المهذب-1/531 وابن حجر في نتائج الأفكار-2/64 وابن القيم في اعلام الموقعين-4/238، ووافقهم الألباني في هامش صفة الصلاة وضعيف الجامع/ 3232. ثم إنه لا ينفي غيره من الأذكار والدعاء.
3- وحديث السعدي قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته فكان يتمكّن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثا. قال الذهبي في المهذب-1/531 وابن القطان في الوهم والإيهام-3/375 وابن القيم في الصلاة وحكم تاركها/122 وابن حجر العسقلاني في نتائج الأفكار-2/66 والأرنؤوط في مسند أحمد/ 22383 فيه السعدي مجهول الحال، ووافقهم الألباني في هامش صفة الصلاة، ولا يبدو أنّ له شاهد بهذا المعنى وهذا اللفظ.
4- أمّا حديث أنس عن صلاة عمر بن عبد العزيز، قيل: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات. فهذه الرواية التي فيها ذكر التسبيحات العشر؛ قال ابن القطان في الوهم والإيهام-4/169 والألباني في إرواء الغليل/348 والأرنؤوط في مسند أحمد/12683: إسنادها ضعيف لجهالة وهب بن مانوس، وحسّنها آخرون ربما بالرواية الأخرى الصحيحة والتي سيأتي ذكرها في كلام ابن القيم، وفيها أنه كان يتم الركوع والسجود ويخفّف القيام والقعود، ولكنها تتعارض مع قول أنس وفعله الذي سبق في كلام ابن تيمية وسيأتي بيانه، إلاّ إذا كانت هذه التسبيحات العشر هي الحد الأدنى حين قام بالفاتحة وحدها وبسرعة الذي يعلم أنّه يناجي ربّه وليس هذّاً كهذّ الشعر.
5- وأحاديث حذيفة وعقبة وغيرهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع قال: سبحان ربّي العظيم [وبحمده] ثلاثًا، وإذا سجد قال: سبحان ربّي الأعلى [وبحمده] ثلاثًا. قال الألباني في (إرواء الغليل/333) إنها لا تخلو من مقال، ولكن مجموعها يدلّ على ثبوت هذه الزيادة. يعني كلمة ثلاثًا، ولكنها لا تنفي غيرها من الذكر والدعاء، وينبغي أيضًا أن تُحمل على أنها اختصار من بعض الرواة للتكرار في قول الصحابة والذي يفيد التكرار لا الحصر، والدليل؛ رواية النسائي لحديث حذيفة السابق. ومثاله؛ ما حدث لقول النبي صلى الله عليه وسلم؛ {ألا إنّ القوّة الرمي ألا إنّ القوّة الرمي ألا إنّ القوّة الرمي} فقد رواه مسلم/1917 وغيره بهذا اللفظ، ورواه الترمذي/3083 بلفظ {ألا إنّ القوّة الرمي ثلاث مرات}. ومن الدلائل على هذا الاختصار حديث بريدة في مجمع الزوائد-2/135 وفيه: {وتركع فتقول سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فإذا رفعت من الركوع فقُل...} فهذا السياق لا يبدو منتظمًا هكذا، لأنّ قوله {فإذا رفعت} يدلّ على التراخي؛ أي أنك تكرّر التسبيح بمثل هذا؛ سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم . . . ، حتى إذا انتهيت ورفعت فقُل...، وهذا الحديث فيه ضعيفان كما ذكر الهيثمي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى/22 والقواعد النورانية: مقدار الصلاة يختار فيه فقهاء الحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان يفعلها غالباً وهي الصلاة المعتدلة المتقاربة... وقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد بعدد.
ثم إنّ القول بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده ثلاث تسبيحات فقط؛ هو مع ضعفه يتعارض مع عدد من النصوص الصحيحة، وقد سبق بعضها، ومنها أيضًا:
1- قول النبي صلى الله عليه وسلم: {ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأمّا الركوع فعظّموا فيه الربّ عزّ وجلّ، وأمّا السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِن أن يستجاب لكم} رواه مسلم/479 فهل سيأمر الصحابة أن يجتهدوا في الدعاء ثم يكون سجوده بقدر ثلاث تسبيحات؟.
2- وهي قليلة، وقريبة من أقلّ القليل، وقد ذكر من صفة صلاة المنافق أنه {لا يذكر الله فيها إلاّ قليلا} رواه مسلم/622 ولن يكون في صلاة خير الناس شبَهٌ من صلاة المنافق.
3- وجاء في صحيح مسلم/469 عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أخف الناس صلاة في تمام. وقال رضي الله عنه: (إني لا آلو أن أصلّي بكم كما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلّي بنا) قال ثابت: فكان أنس يصنع شيئًا لا أركم تصنعونه؛ كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسي، وإذا رفع رأسه بين السجدتين مكث حتى يقول القائل قد نسي. رواه البخاري/787 ومسلم/472 فأنس أخبر عن خفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فلمّا صلى بهم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم أطال الاعتدالين حتى يقول القائل قد نسي، وقد قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم) رواه مسلم/473 فهل كان يطيل الاعتدالين هكذا وركوعه وسجوده بقدر ثلاث تسبيحات؟! ويبدو أنّ قول أنس وفعله ثم قول ثابت كان في أول الأمر من تضييع الصلاة بتخفيف الاعتدالين قبل تخفيف الركوع والسجود، لذا لم يذكرا شيئًا عن طول الركوع والسجود.
4- وجلسة التشهّد الأول جاء الخبر بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمّها خفيفة (كأنه على الرضف - الحجارة المحماة) وهذا الوصف بالمقارنة، أي أنها سريعة بالنسبة لغيرها، ومعلوم أنّ التشهّد أطول من ثلاث تسبيحات، بل أطول من مثليها، والنبي صلى الله عليه وسلم لن يهذّه كهذّ الشعر، فإذا كانوا قد وصفوا هذا بالقصر (كأنه على الرضف)؛ فكيف كان طول الاعتدالين اللذين وصفوهما بالطول (حتى يقول القائل قد نسي)؟ ثم تفكّر كيف كان طول الركوع والسجود بالمقارنة؟.
قال الترمذي/366: هذا حديث حسن إلاّ أنّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والعمل على هذا عند أهل العمل يختارون أن لا يطيل الرجل القعود في الركعتين الأوليين ولا يزيد على التشهد شيئا، وضعّفه الألباني، وكذا الأرنؤوط في مسند أحمد لانقطاعه، ولكن قال الحاكم في المستدرك/993: تابعه مسعر عن سعد بن إبراهيم، وذكَره/994 ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي في التلخيص فقال: رواه عثمان بن سعيد المري عن مسعر عن سعد نحوه على شرطهما.
وعليه؛ لا يصحّ ولا يحلّ لنا أن نحتجّ بأقوال العلماء المستندة إلى تلك الأخبار في معارضة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وفعله الثابت، قال العثيمين: (إنّه لا يُحتجّ بأقوال العلماء إلاّ إذا كان هناك دليلٌ من الكتاب والسنّة فيحتجّ بالكتاب والسنّة، أمّا أقوال العلماء فإنّها يُحتجّ لها ولا يُحتجّ بها). وكان ذلك منهج الأئمة الأربعة وغيرهم من سلفنا الصالح، ومنه قول أبي حنيفة: (لا يحلّ لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) وقوله: (إذا صحّ الحديث فهو مذهبي) وقول مالك: (انظروا في رأيي؛ فكلّ ما وافق الكتاب والسنّة فخذوه، وكلّ ما لم يوافق الكتاب والسنّة فاتركوه) وقول الشافعي: (أجمع المسلمون على أنّ من استبان له سنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحلّ له أن يدَعَها لقول أحد) وقول أحمد: (لا تقلّد دينك أحدًا من هؤلاء، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخُذ به) (من ردّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة) ولذا لَمّا جمع المحقّق ابن دقيق العيد المسائل التي خالف مذهب كلّ واحد من الأئمة الأربعة الحديث فيها قال في مقدمة ذلك: (إنّ نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام، وإنّه يجب على الفقهاء المقلّدين لهم معرفتها لئلاّ يعزوها إليهم فيكذبوا عليهم) ذكر ذلك الألباني في مقدمة كتابه صفة الصلاة. والعلم هو معرفة الحقّ بدليله، وإنّما يحاسب المسلم يوم القيامة بحسب علمه لا علم غيره، فلا يترك علمه لقول أحد حتى يعلم أنه الحق بالدليل الصحيح والفهم الصحيح الذي تدلّ عليه القرائن الصحيحة ولا يتعارض مع شيءٍ من القرآن والسنّة الصحيحة وقواعد الشريعة ومقاصدها العظيمة، ومن عرف الحق بدليله وجب عليه العمل به ولا يجوز له تقليد غيره بخلاف ما يعلمه.
والشبهة الثالثة؛ {أفَتّان أنت؟}:
قال ابن القيم في حاشيته: وأما حديث معاذ فهو الذي فتَن النقّارين وسرّاق الصلاة لعدم علمهم بالقصة وسياقها، فإنّ معاذًا صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاء الآخرة ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء فقرأ بهم سورة البقرة... ا.هـ ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخّر العشاء الآخرة، ومعلوم أيضًا طول المسافة بين مسجده وقباء، لندرك متى بلغهم معاذ بعد أن ذهب من الليل ما ذهب بعد يوم عمل وتعب، ثم صلى بهم العشاء بسورة البقرة! فقال النبي صلى الله عليه وسلم {يا معاذ؛ أفَتّان أنت؟ اقرأ (والشمس وضحاها) و(سبح اسم ربك الأعلى) ونحوها} فأمره بتخفيف القيام في صلاة العشاء ولم يأمره بتخفيف الركوع والسجود وهما تبع للقيام تخفيفًا وتطويلا. وقد روى مسلم/454 أنّه (كانت صلاة الظهر تُقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يتوضأ ثم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطوّلها) وهو القائل عليه الصلاة والسلام: {أيها الناس؛ إنكم منفّرون، فمن صلى بالناس فلْيخفّف فإنّ فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة} رواه البخاري/90 قال ابن القيم: ومعلوم أنّ الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ممن يصلّي بقدر صلاته وإنما ينفرون ممن يزيد في الطول على صلاته فهذا الذي ينفّر، وأمّا إن قُدّر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلاّ وهم كسالى وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر كصلاة المنافقين وليس لهم في الصلاة ذوق ولا لهم فيها راحة بل يصلّيها أحدهم استراحة منها لا بها فهؤلاء لا عبرة بنفورهم...
وقال: والتخفيف الذي أشار إليه أنس هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود كما جاء مصرّحًا به فيما رواه النسائي عن قتيبة عن العطاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالك فقال: صلّيتم؟ قلنا: نعم، قال: يا جارية؛ هلمّي لنا وضوءًا، ما صلّيت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمامكم هذا، قال زيد: وكان عمر بن عبد العزيز يتمّ الركوع والسجود ويخفِّف القيام والقعود. وهذا حديث صحيح؛ فإنّ العطاف بن خالد المخزومي وثّقه ابن معين وقال أحمد: ثقة صحيح الحديث. وقد جاء هذا صريحًا في حديث عمران بن حصين لَمّا صلّى خلف عليٍّ بالبصرة قال: لقد ذكّرني هذا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة؛ كان يخفِّف القيام والقعود ويطيل الركوع والسجود، وقد تقدّم قول أنس: كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة، وحديث البراء بن عازب: أنّ قيامه صلى الله عليه وسلم وركوعه وسجوده كان قريبًا من السواء، فهذه الأحاديث كلّها تدلّ على معنى واحد؛ وهو أنّه كان يطيل الركوع والسجود ويخفِّف القيام -يعني حتى تكون صلاته متقاربة- وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله غالباً وتخفيف الركوع والسجود والاعتدالين، ولهذا انكر ثابت عليهم تخفيف الاعتدالين وقال: كان أنس يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه... (انظر حاشية ابن القيّم في فصل في سياق صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان اتفاق الأحاديث فيها وغلط من ظنّ أنّ التخفيف الوارد فيها هو التخفيف الذي اعتاده سرّاق الصلاة والنقّارون لها).
فتفضيل القيام على الركوع والسجود هو أمرٌ محدَث خشي الصحابة وقوعه وأنكروه كما قال ابن عمر: (أفعلتموها؟!)، حتى بكى أنس رضي الله عنه، فلمّا سُئل عمّا يبكيه قال: (لا أعرف شيئًا مما أدركت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلاّ هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيّعت) صحيح البخاري/506-507، ووافقه أبو الدرداء حين دخل على أم الدرداء وهو مغضب فقالت: ما أغضبك؟ فقال: (والله ما أعرف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم شيئًا إلاّ أنهم يصلّون جميعا) صحيح البخاري/522، يعني صلاة الجماعة، ولعلّ بداية تضييع الصلاة كانت بتزيين إطالة القيام لما فيه من تلاوة القرآن، وتخفيف الاعتدالين [لأنهما مجرّد انتقالين!]، ولحكمة أرادها الله وأمر قدّره وقضاه ولا معقّب لحكمه سبحانه؛ ظهرت فتوى أكثر الفقهاء؛ بأنّ الواجب في الركوع والسجود تسبيحة وأدنى الكمال ثلاث، فطار بها الناس وضاع الركوع والسجود! قد رضينا في الدين بالأدنى وما رضينا به في الدنيا! وشاع هذا الحال حتى صار القائم بالسنّة غريبًا كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: {بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء} صحيح مسلم/145.
ومن الشبهات أيضًا:
1- حديث البراء في صحيح البخاري/759 قال: (كان ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء) وهذا يحتمل أن يكون القيام والقعود أطول أو أقصر من الركوع والسجود، كما في رواية ابن خزيمة/661: (كان قيام النبي صلى الله عليه وسلم وركوعه وسجوده وجلوسه لا يُدرَى أيّهُ أفضل) قال أبو بكر: يريد أفضل؛ أطول، وقال الأعظمي: إسناده صحيح، ورواية مسلم/471 تثبت المقاربة للقيام؛ قال: (رمقت الصلاة مع محمَّد صلى الله عليه وسلم فوجدت قيامه فركعته فاعتداله بعد ركوعه فسجدته فجلسته بين السجدتين فسجدته فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء) ويمكن الإجابة عما يبدو من تعارض في هذه الأخبار بما يلي؛ فأمّا القعود للتشهد الأخير فلَيس داخلاً في المقاربة، وقد يكون أطول أو أقصر بحسب القراءة في القيام وبحسب الدعاء قبل السلام، ولعلّ المقاربة في الاعتدالين هي بالنسبة للركوع والسجود لا للقيام، كما في حديث حذيفة قال: (ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع) وقال: (فكان ما بين السجدتين نحوًا من السجود)، وأما المقاربة بين القيام والركوع والسجود ففيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم: {أعطوا كلّ سورة حظّها من الركوع والسجود} فقد يكون القيام أقصر إذا اقتصر فيه على سورة الفاتحة وأطال الركوع والسجود فلا بأس، وقد يكون أطول إذا قام بسورة طويلة ثم ركع وسجد بقدر قراءة أكثرها أو بقدر قراءتها حدرًا فذلك حظها، وقد يطيل الركوع والسجود حتى يماثل القيام، فيكون حكم الصحابي مختلفًا بحسب تقديره لذلك، ولكنه لا يخرج في كلّ هذه الأحوال عن معنى المقاربة.
2- وأورد البعض رأي أحد العلماء في حديث البراء حيث قال: (واعلم أنّ هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلاّ فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام...) قلت: إنّ طول القيام لا ينفي طول الركوع والسجود، وقد سبق حديث حذيفة والذي فيه أنّ ركوع النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده كان قريبًا من قيامه الذي قرأ فيه بسورة البقرة والنساء وآل عمران، فهذا نصّ في المقاربة بأطول قيام قام به.
3- قيل: إنّ الليل كلّه لا يكفي لصلاة هذه الركعة! قلت: وماذا عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم ويكون اليوم كالساعة وتكون الساعة كاحتراق السعفة} صحّحه الأرنؤوط في مسند أحمد/10956 والألباني في قصة المسيح الدجال/38 وصحيح الجامع، فهذا ليس تقاربًا معنويّاً فقط بتغير بركة الزمان أو سعة العيش كما يظن البعض، بل هو تقارب حقيقي لأنّ احتراق السعفة شيءٌ محسوس تراه العين ويمكن حساب مدته، وقوله {تكون الساعة كاحتراق السعفة} يعني أنها لم تكن كذلك حين قال ذلك، بل ربما كانت بقدر احتراق السعفة 24 مرة وتتناقص إلى 12 - 7 - 4 مرات حتى تكون كاحتراق السعفة كما في الحديث، فمن الخطأ الاحتجاج باستحالة إطالة الركوع والسجود قريبًا من القيام في حديث حذيفة أو في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم المغرب بسورة الأعراف، وقد صلى أبو بكر الفجر بسورة البقرة حتى قال عمر إن كادت الشمس لتطلع، ثم فعل عمر ذلك، وقراءة سورة البقرة وحدها تأخذ أكثر من ساعتين بساعاتنا الآن، فقد تقارب الزمان كثيرًا حتى صار ذلك محسوسًا لعامّة الناس، وصلاة الكسوف بالوصف الذي جاء عنها تأخذ 8-12 ساعة بساعات هذه الأيام، فهل أخّر الظهر إلى العصر أو المغرب؟! والخسوف الشمسي في أقصى حالاته لا يبلغ أربع ساعات، وللفائدة أقول: إنّ ذلك الخسوف الشمسي الجزئي الذي حدث في المدينة النبوية يوم الاثنين التاسع والعشرين من شوال في العام العاشر من الهجرة؛ كانت بدايته قُبيل التاسعة وذروته عند العاشرة وانتهى عند الحادية عشرة والثلُث، فكانت مدته ساعتين ونصف، والله أعلم، ويمكنك التأكد من ذلك ببرنامج حاسبة القمر وتجد منه نسخة في موقعي.
4- وقول أنس: {كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم متقاربة وكانت صلاة أبي بكر متقاربة فلَمّا كان عمر بن الخطاب مدّ في صلاة الفجر} ظاهره أنّه مدّ القيام، ولكن هذا لا ينفي أنه مدّ الركوع والسجود أيضًا تبعًا للقيام، فيكون المعنى أنه مدّ في صلاة الفجر كلّها قيامها وركوعها وسجودها.
5- وحديث؛ (أفضل الصلاة -أو- أيّ الصلاة أفضل) جاء بلفظين؛ طول القنوت وطول القيام، كلاهما من حديث جابر وعبد الله بن حبشي، واللفظ الأول هو الثابت عنهما في صحيح مسلم/756 وعامّة كتب الحديث، والثاني شاذ لتعارضه مع ما هو أثبت منه في القرآن والسنّة. والقنوت في كلام العرب لا يعني القيام أصلاً ولا القيام يدلّ عليه، فقال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين} أي قوموا بها، فالصلاة -بما فيها القيام- قد تكون بقنوت وقد لا تكون، وهذا التفسير الذي ذكرته للقيام في هذه الآية هو الأقرب لسياقها ولسبب نزولها ولمقاصد الشريعة فالقنوت مطلوب في الصلاة كلّها وليس في قيامها وحده، قال شيخ الإسلام: ومن فضّل تطويل القيام احتجّوا بالحديث الصحيح أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل؛ أيّ الصلاة أفضل؟ فقال: {طول القنوت} وظنوا أنّ المراد بطول القنوت طول القيام وإن كان مع تخفيف الركوع والسجود، وليس كذلك... (مجموع الفتاوى/ج23).
6- وروى البخاري في صحيحه/949 عن عائشة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلّي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته؛ تعني بالليل، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه. فلا يمكن القول إنه يقوم بسورة البقرة ويركع ويسجد بقدر خمسين آية! لأنّ هذا الأثر عن عائشة ليس فيه ذكر سورة البقرة، والآثار التي جاء فيها ذكر قيامه بسورة البقرة جاء فيها أيضًا أنّ ركوعه وسجوده كان بقدر قيامه، قال عوف بن مالك: قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام فقرأ سورة البقرة لا يمرّ بآية رحمة إلاّ وقف فسأل ولا يمرّ بآية عذاب إلاّ وقف فتعوّذ، ثم ركع بقدر قيامه يقول في ركوعه {سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة} ثم سجد بقدر قيامه ثم قال في سجوده مثل ذلك. صحيح أبي داود/874، وفي رواية النسائي/1132 قال: فلمّا ركع مكث قدر سورة البقرة. وقال حذيفة: وكان قيامه وركوعه وإذا رفع رأسه من الركوع وسجوده وما بين السجدتين قريبًا من السواء. رواه النسائي/1069 وصحّحه الألباني.
7- وقول عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفّف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إنّي لأقول هل قرأ بأمّ الكتاب) صحيح البخاري/1118 يُفهم منه تخفيف القيام، وقد ثبت أنّه كان يقرأ في سنّة الفجر مع الفاتحة بسورة الإخلاص والكافرون، والثابت في قراءته أنه كان يمدّها مدّاً ويقطّعها آية آية، وفي صلاته أنّها كانت متقاربة، وهذا المنطوق مقدّم على فهمنا لقول عائشة وما بدا لنا فيه من التخفيف، والصحيح أنّ تقدير عائشة هذا كان متأثّرًا بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم الطويلة بالليل والفجر، فبدت لها سنّة الفجر بينهما خفيفة جدّاً بالمقارنة، ومعروف في واقعنا اليومي المشاهد تأثّر التقديرات الشخصية بقرائنها القريبة منها سواء في السرعة أو الحرارة أو الإضاءة وغيرها، فيجب أن ننتبه لهذا في فهمنا للآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
8- واعترض أقوام بحديث المسيء صلاته، قلت: في الحديث حكمتان تردّان هذا الاعتراض؛ إحداهما حكمة التدرّج في التشريع؛ فقد جاءنا أمران صحيحان؛ {اركع حتى تطمئنّ راكعا...} و{أعطِ كلّ سورة حظها من الركوع...} والأمر الثاني فيه زيادة علم وعمل، فما عذرنا في عدم العمل به؟ وكذلك {اقرأ بما تيسّر معك من القرآن} و{ لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب} صحيح البخاري/723 ومسلم/394. والثانية حكمة التدرّج في التعليم؛ فهذا الحديث جاء لتعليم رجل رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وعرف حاله فعلّمه بالقدر الذي يناسبه، فلا يصحّ الاحتجاج به في نفي شيء مما جاء الأمر به في نصوص أخرى صحيحة. وربما كانت هناك أكثر من حادثة حيث رُوي هذا الحديث بألفاظ مختلفة؛ أشهرها عن أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما، ولم يأمر فيه بقراءة الفاتحة ولا بشيء من الأذكار غير تكبيرة الإحرام وما تيسّر من القرآن، وهو حجة الأحناف على عدم وجوب الفاتحة، ومذهب أبي حنيفة بريء من ذلك لورود النص بوجوبها وقد سبق قوله: (إذا صحّ الحديث فهو مذهبي). وكذلك رُوي عن رفاعة بلفظ فيه {ثم اقرأ بأمّ القرآن} في صحيح الجامع/324 وابن حبان/1787 وبلفظ آخر في صحيح ابن خزيمة/545 وسنن الترمذي/302 وبلفظ ثالث في صحيح الترغيب/536 وسنن الدارمي/1329 وغيرهما.
9- والبعض يريد ضرب أقوال العلماء بعضها ببعض، وأذكر هنا قول العثيمين: (إنّ أقوال العلماء الخالية من الدليل ليس لها قيمة ليس لها وزن، إذ أنّ أقوال العلماء يُستدلّ لها ولا يُستدلّ بها) وما ذكرته من أقوال العلماء في هذه الرسالة إنما هو للاستئناس بها وللذين لا يقتنعون إلاّ بكلام العلماء، ولم أذكرها احتجاجًا بها ولا انتصارًا لأصحابها وليس ذلك من منهجي، فما وافق الدليل قبلناه وما خالف الدليل رفضناه مهما كان القائل به في القدر والعدد، فمن وجد قولاً يخالف شيئًا مما جاء في هذه الرسالة فلْيتأكّد من صحّته وصحّة دليله واستدلاله وعدم معارضته لشيءٍ من القرآن والسنّة، فإن ثبتت صحّته فأرجو أن يبلغني به وأنا له من الشاكرين، وإذا لم يثبت ذلك فكمثل ما قال ابن دقيق العيد أقول: إنّ الأئمة الأربعة ومن سار على نهجهم من العلماء -عليهم رحمة الله وجزاهم عنا خير الجزاء- بريئون من كلّ من تعصّب لأقوالهم وأصرّ عليها بعد أن تبيّن له خطؤها، وقد كذب عليهم وأساء لهم غاية السوء من أفتى بكلامهم على خلاف ما ثبت له من الحقّ.
قال ابن القيم في صدد بيان أصول فتاوى الإمام أحمد: ولم يكن يقدّم على الحديث الصحيح عملاً ولا رأياً ولا قياسًا ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا ويقدّمونه على الحديث الصحيح! وقد كذّب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا نصّ في رسالته الجديدة على أنّ ما لا يُعلم فيه بخلاف لا يُقال له إجماع ... ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلّ عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدّموا عليها توهّم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطّلت النصوص وساغ لكلّ من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدّم جهله بالمخالف على النصوص...
وفي فصل في أنه لا يصحّ للمفتي أن يفتي بضدّ لفظ النص؛ قال: وقد كان السلف الطيب يشتدّ نكيرهم وغضبهم على من عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أو قياس أو استحسان أو قول أحد من الناس كائنًا من كان، ويهجرون فاعل ذلك، وينكرون على من يضرب له الأمثال، ولا يسوغون غير الانقياد له صلى الله عليه وسلم والتسليم والتلقي بالسمع والطاعة، ولا يخطر بقلوبهم التوقّف في قبوله حتى يشهد له عمل أو قياس أو يوافق قول فلان وفلان، بل كانوا عاملين بقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}، وبقوله تعالى: {فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويُسلّموا تسليما}، وبقوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكّرون} وأمثالها، فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم؛ ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا، يقول: من قال هذا؟ دفعاً في صدر الحديث! ويجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أنّ هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحلّ له دفع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنّة، وهذا سوء ظنّ بجماعة المسلمين؛ إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع؛ وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنّة، والله المستعان. (اعلام الموقّعين).
التخريج من المكتبة الحاسوبية
الشاملة
وموقع (الدرر السنية) www.dorar.net
إلاّ قليلا
كتَب ذلك/ محمّد بن أحمد التركي
mhmdahmd.jeeran.com